النُهُج المبتكرة في تدقيق الأداء: دروس مقارنة من الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة

المصدر: صور Adobe Stock، Golden Sikorka

من إعداد: ألفريدو كامبوس لاكوبا، مدقق – نائب المدير، رئاسة قسم التدقيق، ديوان المحاسبة الأسباني

ملخّص

يخضع تدقيق الأداء لتحوّل كبير داخل مجتمع التدقيق العام الدولي. وتنتقل الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة على نحو متزايد إلى ما هو أبعد من تقييمات كفاءة الاقتصاد التقليدية نحو أساليب أكثر تطوّراً وموجّهة نحو التقييم استناداً إلى تحليلات البيانات، وتقييم الأثر، وتحليل المخاطر، وصنع السّياسات القائمة على الأدلّة.

ويقدّم هذا المقال تحليلاً مقارناً للمنهجيات والممارسات المبتكرة المحدّدة في التقارير المقدّمة إلى الجائزة الأولى لفريق عمل الإنتوساي المعني بتقييم السّياسات والبرامج العامة. واستناداً إلى تجارب البرازيل وكوستاريكا وفرنسا وجمهورية التشيك والمغرب ورومانيا وأسبانيا وتايلاند، تحدّد الورقة الاتجاهات الناشئة التي تشكِّل مستقبل تدقيق الأداء.

وتسلّط الدراسة الضوء على أدوات مبتكرة مثل التحليل الجغرافي المكاني، ونماذج الاقتصاد القياسي، والذّكاء الاصطناعي، ومقاييس النّضوج، ونظم التقييم البصري، وتثليث البيانات، والأساليب التشاركية. كما تدرس كيفية معالجة الأجهزة للسّياسات العامة المعقّدة والشّاملة من خلال نُهُج متعدّدة التخصّصات وقائمة على البيانات.

ويعتبر المقال أنَّ هذه الابتكارات تعمل على تعزيز قدرة الأجهزة على توليد نتائج ذات مغزى، وتحسين تقييم السّياسات، وتعزيز القيمة العامة والمساءلة.

1. المقدّمة

شهد تدقيق الأداء تطوّراً كبيراً على مدى العقد الماضي. والواقع أنَّ السّياسات العامة المتزايدة التعقيد، والمطالب المتصاعدة بالمساءلة، والتوسُّع في الحوكمة القائمة على الأدلّة، قد دفعت الأجهزة إلى تبنّي أساليب تحليليّة وتقييميّة أكثر تقدماً.

وينعكس هذا التحوّل في المبادرات الأخيرة التي جرى الترويج لها داخل مجتمع الإنتوساي، لاسيّما من خلال فريق عمل الإنتوساي المعني بتقييم السّياسات والبرامج العامة. وعرضت الجائزة الأولى لفريق العمل ممارسات تدقيق مبتكرة قادرة على تحسين تقييم البرامج العامة وتوليد مرئيّات أكثر فائدة لصنّاع القرار والمواطنين.

وتكشف التقارير المقدّمة عن اتّجاه مشترك. فتدقيق الأداء يدمج تدريجياً التقنيات المرتبطة تقليدياً بتقييم السّياسات، وعلم البيانات، والتحليل السّلوكي، وتقييم الأثر. وبدلاً من التركيز بشكل حصري على الامتثال أو أوجه القصور التشغيليّة، تدرس الأجهزة بشكل متزايد ما إذا كانت التدخّلات العامة تحقّق النتائج المرجوة والتأثيرات المجتمعية.

ويقدّم التحليل المقارن لهذه التجارب الدولية دروساً قيّمة لتحديث التدقيق العام الخارجي.

2. ما وراء تدقيق الأداء التقليدي: مقاربات تقييميّة ناشئة في الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة

يتمثّل أحد أوضح الاتّجاهات التي جرى تحديدها من خلال التجارب التي تمّ تحليلها في الانتقال من تدقيق الأداء التقليدي إلى التدقيق الموجّه نحو التقييم.

وتطبّق العديد من الأجهزة في الوقت الراهن منهجيات تقيّم بوضوح منطق التدخل، وتماسك السّياسات، والنتائج، والتأثيرات. ويتجلّى هذا التحوّل بشكل خاص في العمل الذي طوّره ديوان المحاسبة الفرنسي، ومحكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية، ومكتب تدقيق الدولة في تايلاند.

وعلى سبيل المثال، جمع التقييم الفرنسي لسياسات تطوير الغاز الحيوي بين تقنيات الاقتصاد القياسي، والمقارنات المرجعيّة، وقواعد البيانات الإدارية لتقدير الأثر الاقتصادي الحقيقي لآليات الدعم العام على القدرة الزراعية على التكيّف. وعلى نحو مماثل، استخدم تقييم فرنسا لبدائل السجن تحليلاً إحصائياً واقتصادياً قياسياً لتقييم العودة إلى الإجرام ونتائج إعادة الدمج، الأمر الذي أظهر كيف يمكن للنُهُج القائمة على الأدلّة أن تعمل على تعزيز التدقيق في القطاعات الحسّاسة سياسيّاً.

وتوضح هذه التجارب كيف تعمل الأجهزة على نحو متزايد على دمج التقنيات التحليليّة القادرة على معالجة أسئلة السّياسة المعقّدة التي لا يمكن الإجابة عنها من خلال إجراءات التدقيق التقليديّة وحدها.

3. التدقيق المستند إلى البيانات والتحليلات المتقدّمة

يتمثّل اتّجاه رئيسي ثانٍ في الاستخدام المتزايد لتحليلات البيانات المتقدمة والأدوات الرقمية في تدقيق الأداء.

وتقدّم محكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية بعضاً من الأمثلة الأكثر ابتكاراً. وجمع تدقيقها لبرنامج التحصين الوطني بين النماذج الإحصائيّة المتعدّدة المتغيّرات، والمسوح الواسعة النّطاق، وعمليات التفتيش الميدانية، ولوحات المعلومات التفاعليّة التي جرى تطويرها في Power BI، وهي عبارة عن تصوّر تفاعلي للبيانات، وإدارة قواعد البيانات، وبرمجيات نمذجة البيانات. كما شمل التدقيق أدوات الذّكاء الاصطناعي لدعم توليف النتائج وتنظيمها.

وفي عملية تدقيق برازيلية أخرى تتعلّق بقواعد بيانات السّياسات الاجتماعية، جمع المدققون بين التدقيق الآلي للسّجلات الإدارية وزيارات التحقّق للأسر لتحديد التناقضات في السّجلات المرتبطة بالفقر. وقد عزّزت منهجية التثليث هذه موثوقيّة النتائج ومكّنت من تحديد حجم التأثيرات المالية المرتبطة بالبيانات الرديئة الجودة.

وتظهر عمليات التدقيق في كوستاريكا أيضاً الأهمية المتزايدة للتحليلات الإقليمية والجغرافية المكانية. واستخدمت عملية التدقيق في الخدمات الحضرية المستدامة تقنيات المعالجة الجغرافية لنظام المعلومات الجغرافية الكمي، والتحليل العنقودي في لغة R، ومعامِلات جيني لتحديد أوجه التفاوت في الوصول إلى الخدمات العامة داخل المدن المتوسّطة. وقد سمح هذا المنظور الإقليمي للمدققين بكشف الأنماط التي كانت لتبقى غير مرئية باستخدام أساليب التدقيق التقليدية.

وتوضح هذه الأمثلة كيف تعمل المنهجيات القائمة على البيانات على تحسين عمق استنتاجات التدقيق وقوّتها وصدقيّتها مع تمكين المدققين من معالجة بيئات السّياسات المتزايدة التعقيد.

4. هيكلة الحكم المهني من خلال منهجيات مبتكرة

يتعلّق ابتكار آخر ذي صلة بالجهود الرامية إلى تنظيم الحكم المهني في تدقيق الأداء وهيكلته.

وطوّر المكتب الأعلى للتدقيق في جمهورية التشيك إطاراً منهجياً يستند إلى مقاييس تدريجية للفعاليّة والكفاءة تنطبق على البرامج والإعانات العامة. وبدلاً من الاعتماد على تقييمات ذاتية بحتة، تعمل المنهجية على وضع معايير محدّدة بوضوح وتوصيفات لمستويات الأداء المختلفة. ويعمل هذا النهج على تحسين الاتّساق بين فرقاء التدقيق، وتسهيل تجميع النتائج، وتعزيز الشفافيّة في التواصل مع الجهات الخاضعة للتدقيق.

وقدّمت عملية التدقيق في انتقال الطاقة في البرازيل أداة مبتكرة أخرى تتمثّل في نظام تسجيل مرئي يجمع بين الحكم النوعي والتمثيل الكميّ المرمّز بالألوان. كما استخدمت عملية التدقيق منهجية “لوحة تدقيق” لتنظيم المخاطر والجهات الفاعلة والأهداف ومصادر الأدلّة بصرياً أثناء مرحلة التخطيط.

وتساهم هذه المنهجيات في الحدّ من التعسّف وزيادة قابلية نتائج التدقيق للمقارنة وإمكان تعميمها.

5. تدقيق نظم الحوكمة المعقّدة

تركّز العديد من عمليات التدقيق التي جرى تحليلها على السّياسات التي تتّسم بالحوكمة المتعدّدة المستويات، والتقسيم المؤسّسي، والأهداف الشّاملة.

وشمل التدقيق البرازيلي المنسّق لبرنامج التحصين الوطني تعاوناً بين محكمة الحسابات الفيدرالية وعشرين مؤسّسة تدقيق دون وطنية. واعتمد التدقيق منظوراً على مستوى الحكومة ككل لتقييم التنسيق بين المؤسّسات المسؤولة عن الخدمات اللوجستية للقاحات وتنفيذها.

وعلى نحو مماثل، قامت عملية تدقيق المغرب لعقود إدارة النفايات المفوّضة بتحليل الدورة التعاقدية بالكامل، من التخطيط والمشتريات إلى التنفيذ والرصد. وكشف النّهج القائم على المخاطر عن الطريقة التي أثّرت بها نقاط الضعف في هياكل الحوكمة على جودة الخدمات، والاستدامة المالية، وتماسك السّياسات.

إلى ذلك، يوضح تدقيق رومانيا لنظم الدفاع المدني أهمية نُهُج التدقيق النظامية. ومن خلال العمل الميداني المكثّف وتحليل البيانات الإدارية، قيّم المدققون المرونة المؤسّسية والجاهزية في سياق من المخاطر الجيوسياسية المتنامية.

وتظهر هذه التجارب أنَّ تدقيق الأداء الحديث يتطلّب على نحو متزايد تحليلاً نظامياً قادراً على الاستفادة من التفاعلات بين المؤسّسات، وترتيبات الحوكمة، وأدوات السّياسة.

6. المشاركة، والتواصل، والتدقيق المتمحور حول المواطن

تكشف العديد من عمليات التدقيق عن تركيز متزايد على المشاركة، والتواصل، والنُهُج المتمحورة حول المستخدم.

واشتمل تدقيق كوستاريكا لإجراءات وضعيّة اللاجئين على خرائط السّلوكيّات والذّهنيّات، وورش عمل المجتمع المدني، وآليات مشاركة أصحاب المصلحة من أجل فهم تجارب المستخدمين مع خدمات الهجرة بشكل أفضل. كما استُخدِمت أدوات الذّكاء الاصطناعي لدعم نسخ المقابلات وأنشطة التواصل.

وتمثّل هذه المنهجيات التشاركية تطوّراً كبيراً في التدقيق العام. فهي تسمح للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة باستكمال الأدلّة الكميّة بمرئيّات نوعيّة مستمدّة من المستفيدين وأصحاب المصلحة.

كما بات التواصل بذاته بعداً استراتيجياً للتدقيق. واستخدمت العديد من المؤسّسات نظم تقييم مرئية ولوحات معلومات ومواداً سمعيّة بصريّة وملخّصات مبسّطة لجعل نتائج التدقيق أكثر سهولة بالنسبة إلى الجماهير غير المتخصّصة.

ويعكس هذا الاتّجاه فهماً أوسع لتأثير التدقيق، فالنتائج لا تولّد قيمة عامة إلا إذا فهمها صنّاع القرار وأصحاب المصلحة والمواطنون واستخدموها بفعاليّة.

7. قياس القيمة العامة للتدقيق

من بين المساهمات الأكثر ابتكاراً التي جرى تحديدها في التحليل المقارن الاهتمام المتزايد بقياس القيمة الاجتماعية المتولّدة عن التدقيق بحدّ ذاته.

واقترح ديوان المحاسبة الأسباني إطاراً للعائد الاجتماعي للتدقيق العام مصمّماً لتقدير التأثير المجتمعي لعمليات تدقيق الأداء. ويجمع الاقتراح بين الأبعاد النوعية والكميّة ويرتبط بشكل واضح بمبدأ الإنتوساي 12 المتعلّق بقيمة الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة وفوائدها.

ويتضمّن الإطار أربعة مختبرات موجّهة نحو الابتكار:

  • مختبر البيانات؛
  • المختبر الاجتماعي؛
  • مختبر تقييم السّياسة العامة؛
  • مختبر الاستدامة الشّامل.

يستكشف الاقتراح أيضاً تقنيات تحليليّة متقدّمة على غرار نماذج التعلّم الآلي، والمحاكاة المؤسّسية، وتحليل قيم شابلي لمقارنة التأثيرات المحتملة لنماذج التدقيق التقليدية في مقابل نماذج التدقيق الموجّهة نحو الابتكار.

ورغم أنَّ هذه المبادرة تجريبية، فإنّها تعكس تطوّراً مؤسّسياً مهمّاً، إذ لم تعد الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة تركّز حصراً على التدقيق في إيجاد القيمة العامة من جانب الحكومات، بل باتت تسعى على نحو متزايد إلى تقييم وإظهار مساهماتها في تحسين الحوكمة والنتائج المجتمعية.

8. الخلاصات

يظهر التحليل المقارن لجائزة فريق عمل الإنتوساي المعني بتقييم السّياسات والبرامج العامة أنَّ تدقيق الأداء يدخل مرحلة منهجيّة جديدة تتميّز بالابتكار، وتعدّد التخصّصات، وبتوجّه أقوى نحو التأثير على السّياسات.

وتبرز العديد من الاتّجاهات المتقاربة من التجارب الدولية التي جرى تحليلها:

  • زيادة الاعتماد على التحليل القائم على البيانات والتحليلات المتقدمة؛
  • زيادة استخدام التقنيات الاقتصادية القياسية والجغرافية المكانية؛
  • التوسّع في النُهُج القائمة على المشاركة والمتمحورة حول المواطن؛
  • وضع منهجيات تقييم منظّمة؛
  • الاهتمام المتزايد بتعقيد الحوكمة والقدرة المؤسّسية على التكيّف؛
  • التركيز بشكل أقوى على التواصل والقيمة العامة القابلة للقياس.

تعمل هذه الابتكارات على تعزيز قدرة الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة على تقييم السّياسات العامة المعقّدة، والتوصّل إلى استنتاجات قائمة على الأدلّة، والمساهمة بشكل فعّال في تحسين القطاع العام.

وتؤكّد التجارب التي جرى النظر فيها أيضاً أنَّ الابتكار في تدقيق الأداء لا يضعف من صرامة التدقيق الخارجي. وعلى العكس من ذلك، تعمل الأدوات التحليليّة المتقدمة، والنُهُج المتعدّدة التخصّصات، والمنهجيات القائمة على التقييم على تعزيز صدقية التدقيق العام وأهميته وتأثيره المجتمعي.

وفي حين تواجه الحكومات تحدّيات متزايدة التعقيد تتعلّق بالاستدامة، وعدم المساواة، والتحوّل الرقمي، والقدرة المؤسسيّة على التكيّف، سيكون لزاماً على الأجهزة أن تستمرّ في التحوّل نحو نماذج تدقيق أكثر تطوراً وقائمة على الأدلّة. وسيبقى التعاون الدولي وتبادل المعرفة داخل الإنتوساي أحد المحرّكات الأساسيّة لهذا التحوّل.

Back To Top