الانقسام بين المركز والمحيط: تدقيق الأداء والتفكير في النظم في المدن الوسيطة في كوستاريكا
من إعداد: لاسكمي بارانتيس سيسيليانو، وأدريانا باديلا فوينتيس، وخوسيه روبرتو غونزاليس تشافيس
المقدمة
في السّنوات الأخيرة، برزت المدن الوسيطة كمحرّكات بالغة الأهمية للتنمية الإقليمية، ولكنَّ تقييم خدماتها العامة يفرض تحديات فريدة على الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة. ولمعالجة هذه الفجوة، قام الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في كوستاريكا بتطوير وتنفيذ منهجية مبتكرة لتدقيق الأداء مصمّمة خصيصاً لهذه المراكز الحضرية المتميّزة. ويعمل هذا الإطار المتخصّص على تعزيز تدقيق الأداء التقليدي من خلال دمج التقييم العملي للقيمة العامة، والإنصاف، والتنمية المستدامة في سياقات غير مركزية.
وأثبتت هذه المنهجية، التي جرى تنفيذها على مرحلتين متتاليتين بين عامي 2024 و2025، أنّها قابلة للتطوير إلى حد كبير. وقيّم التدقيق الأولي لعام 2024 جودة ست خدمات عامة أساسية وحُسن توقيتها وإمدادها المستقبلي – مياه الشّرب، والكهرباء، وجمع النفايات الصلبة، والتنقّل، ومعالجة مياه الصرف الصحي، والاتصالات – في سبع مدن وسيطة، وقد شملت العمليات من عام 2022 حتّى عام 2023. واستهدفت هذه المرحلة بشكل مباشر تقليص الفجوات في الخدمات المقدّمة للفئات السكانية الضعيفة ومواءمة الحوكمة المحلية مع أهداف التنمية المستدامة 6 و7 و11.
وبناءً على هذه المرئيّات، وسّع التدقيق لعام 2025 نطاقه جغرافياً (إذ ضمّ أربع مدن إضافية) وقطاعياً، فدمج التعليم والرعاية الصحية في التقييم للفترة 2023-2024. ومن خلال التركيز على أدوات تدقيق عملية وقابلة للتكيّف، لم يعمل هذا النهج المكوّن من مرحلتين على دفع قيمة عامة قابلة للقياس في كوستاريكا فحسب، بل وضع أيضاً مخطّطاً يمكن أن تعتمده أجهزة عليا للرقابة أخرى تتطلّع إلى التدقيق في تقديم الخدمات العامة غير المركزية.
الطُرُق
بهدف تقييم فعالية تغطية الخدمات العامة وإنصافها، جمعت عمليات التدقيق بين تحليلات البيانات المتقدّمة، والتكنولوجيا الجغرافية المكانية، والتحليل النظامي. وقد سمح هذا النهج المختلط للجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة بتجاوز قيود البيانات الحرجة الشّائعة في العديد من عمليات التدقيق في القطاع العام والمتمثّلة بغياب بيانات الإحصاء الوطني الحديثة.
واشتمل المكوّن الأول للمنهجية على التحليل الجغرافي المكاني وتعريف الانتشار. ولترسيم حدود المدن الوسيطة استناداً إلى انتشارها الحضري المرئي، طبّقت الدراسة المعالجة الجغرافية للهيكل المحدّب على البيانات الجغرافية المرجعية. بعد ذلك، تمّ دمج هذه البيانات المكانية باستخدام نظام المعلومات الجغرافية QGIS، وربط الخدمات العامة بمواقع دقيقة من خلال الحد الأدنى من الوحدات الجغرافية الإحصائية.
وبالبناء على هذا الأساس المكاني، تضمّنت المرحلة الثانية تحليلات متقدّمة ومقاييس عدم المساواة. ولتحديد الأنماط دون تحيّز مسبق، جرى تنفيذ تقنية تعلّم آليّ غير خاضعة للإشراف – التحليل العنقودي الهرمي – بواسطة نظام R من خلال تجميع الوحدات المكانية استناداً إلى خصائص كفاءة الخدمة العامة المشتركة. إلى ذلك، جرى احتساب مؤشّر جيني لقياس عدم المساواة الداخلية في تقديم الخدمات كميّاً.
وأخيراً، جرى اعتماد التحليل المنهجي والتحقّق من أصحاب المصلحة لضمان فهم شامل لفجوات الخدمات الحضرية. كما جرى استكمال الطرق الكميّة السّابقة بأدوات التفكير في النظم، بما في ذلك مخطّطات الحلقات السببية ومعداد رينييه. ولاختتام العملية، جرى تنقيح النتائج والتحقّق منها من خلال جلسات تحقّق تعاونية مع أصحاب المصلحة الرئيسيين.
النتائج
في حين تحدّد الاستراتيجية الاقتصادية الإقليمية لكوستاريكا للفترة 2020-2050 تفويضاً واضحاً لتقديم خدمات عامة متماسكة وعادلة لدفع التنمية الإقليمية، كشف تطبيق منهجية التدقيق هذه على مرحلتين في 11 مدينة وسيطة أنَّ التنفيذ الفعلي لا يرقى إلى هذا الهدف المثالي. وبدلاً من ذلك، يبقى تقديم الخدمات غير فعّال إلى حدّ كبير، الأمر الذي يكرّر نموذج “المركز والمحيط” غير المتكافئ حيث تعمل المؤسّسات بصورة منعزلة فتفاقم نقاط الضّعف المحلية.
وتظهر النتائج المجمّعة في جميع القطاعات الخاضعة للتدقيق تفاوتاً واسع النطاق:
أ. المرافق البيئية والأساسية (المياه والصرف الصحي والنفايات والكهرباء)
- معالجة مياه الصرف الصحي: برز هذا الأمر باعتباره الفجوة الأكثر أهمية في البنية التحتية. في المرحلة الأولى، كان العلاج غائباً تماماً في سيوداد كيسادا وغوابيليس وتوريالبا، ولم يُقدَّم إلا جزئياً في المدن الأربع الأخرى. وفي المرحلة الثانية، كان متاحاً حصرياً في نيكويا، حيث وصل إلى 14% من المباني المحلية.
- مياه الشّرب: لا يمكن ضمان الحقّ الأساسي في الحصول على المياه. فقد فشلت سيوداد كيسادا وليبيريا وليمون في التوصّل إلى ربط واحد على الأقل لكلّ عقار في أي قطاع، في حين افتقرت توريالبا إلى المعلومات الكافية. وفي المرحلة الثانية، بقيت فجوات كبيرة في الربط في نيكويا وكيبوس، بينما أدّى الافتقار المطلق إلى البيانات الجغرافية المرجعية إلى منع التقييم تماماً في أغواس زاركاس وأوروتينا.
- جمع النفايات الصلبة: كشفت كلتا المرحلتين عن تغطية غير مكتملة تتركّز في المناطق الطرفية. وكانت أوجه القصور بارزة في ضواحي ليبيريا وليمون وبيريز زيليدون خلال المرحلة الأولى، وبقيت دون حلّ في أغواس زاركاس ونيكويا خلال المرحلة الثانية.
- الكهرباء والشّبكات الذكية: في حين أنَّ خدمات الكهرباء الأساسية متاحة، فإنَّ التحوّل الحديث إلى العدّادات الذكيّة غير متكافئ إلى حدّ كبير. وقدّمت بيريز زيليدون تجمّعين مع تغطية منخفضة للغاية بالعدّادات الذكيّة، فيما غابت التغطية بالحدّ الأدنى بالكامل في بونتاريناس، وأظهرت المدن في المرحلة الثانية عمليات نشر غير مكتملة.




ب. البنية التحتية الاجتماعية والتنقل (التعليم والرعاية الصحية والنقل)
- التنقّل والازدحام في المناطق الحضرية: ـتعاني من الازدحام المروري الشّديد جميع مراكز المدن الوسيطة تقريباً (مثل نيكويا وكيبوس)، مع استثناءات نادرة في تجمّعات محدّدة منخفضة الكثافة في ليبيريا وبونتاريناس.
- الوصول إلى التعليم: كشفت توسعة عام 2025 أنَّ تلامذة المدارس الابتدائية الذين يعيشون على بعد أكثر من كيلومتر واحد من المراكز التعليمية يواجهون سلبيات واضحة بسبب الغياب التام لبرامج النقل العام للتلامذة في كيبوس، وأغواس زاركاس، وأوروتينا.
- تأخيرات الرعاية الصحية: في كيبوس، أرغمت عيوب التخطيط الهيكلي الفئات السكّانية المعرّضة للمخاطر على تحمّل التنقّل لمسافة تتجاوز أربعة كيلومترات لمجرّد الوصول إلى وحدات الرعاية الصحية الأولية، الأمر الذي أدّى إلى تأخير بالغ في الوصول إلى الخدمات الطبية الأساسية.



ج. البنية التحتية الرقمية وأزمة حوكمة البيانات
- الاتصالات (الجيل الرابع في مقابل الجيل الخامس): في حين أنَّ الإنترنت عبر الهاتف المحمول للجيل الرابع متاح على نطاق واسع في مدن المرحلة الثانية، فقد تضمّنت المرحلة الأولى الكثير من النقاط المخفيّة في تجمّعات محدّدة على غرار سيوداد كيسادا وغوابيليس وليبيريا وليمون وبيريز زيليدون. وبالنظر إلى المستقبل، تعوق عقبات كبيرة نشر شبكات الجيل الخامس؛ وباستثناء بلدية سان كارلوس، تفتقر الحكومات المحلية إلى اللوائح التنظيمية المنسّقة اللازمة لنشر البنية التحتية لشبكات الجيل الخامس.
- فجوة المعلومات التي تبلغ 4 ملايين دولار: تمثّلت إحدى النتائج النظامية الرئيسية في فشل شفافية البيانات. فرغم استثمار الدولة الذي تجاوز 4 ملايين دولار لتحسين نظم المعلومات الرسمية، فشل المشغّلون في توفير بيانات جغرافية دقيقة. علاوةً على ذلك، فشلت غالبية المؤسّسات في تحديث نظام المعلومات الإقليمي الوطني، ممّا أدّى إلى نقاط مخفيّة في البيانات تحول بدرجة كبيرة دون تتبّع عمليات التدقيق واتخاذ القرارات العامة.

التأثير المتوقّع والتأثير المؤسّسي
على المستوى المحلي، يجري تنظيم عمليات التدقيق هذه لتحفيز تحسينات ملموسة في تقديم الخدمات العامة عبر المدن الوسيطة. ومن خلال تحديد الفجوات الدقيقة في البنية التحتية والتغطية – خصوصاً تلك التي تؤثّر في الفئات السكّانية المعرّضة للمخاطر – توفّر النتائج مسارات عملية نحو إدارة بلدية أكثر إنصافاً.
ولمعالجة هذه الإخفاقات النظامية، أصدر الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة توجيهات ملزمة تحتّم على الحكومات المحلية ومشغّلي المرافق الرئيسية المشاركة في وضع آليات تخطيط متكاملة تتماشى مع استراتيجية 2020-2050. بالإضافة إلى ذلك، تفرض التفوضيات نشر بيانات خدمة عامة موحّدة ضمن نظام المعلومات الإقليمي الوطني وبما يراعي المواءمة الفورية للوائح التنظيمية البلدية لتبسيط نشر البنية التحتية للاتصالات. وبمجرّد تنفيذ توجيهات التدقيق هذه، ستساهم بشكل مباشر في الحدّ من الفوارق الإقليمية، وتحسين جودة الحياة لسكّان المناطق الحضرية، وتعزيز البيئات الشّاملة التي تتماشى مع المبادئ الأساسية للتنمية المستدامة والحقّ في المدينة.
وبعيداً عن التحسينات المحلية، فإنَّ المرئيات الاستراتيجية مصمّمة لمواءمة التنمية الحضرية غير المركزية مع أهداف الاقتصاد الكلّي الوطنية. ومن خلال تقييم الطريقة التي تدعم بها الخدمات العامة الحالية الاستراتيجية الاقتصادية الإقليمية الوطنية أو تعوقها، تعمل عمليات التدقيق على وضع إطار لتقييم الوضع الراهن للتدخّلات المؤسّسية المنسّقة المستهدفة. وتضمن هذه المواءمة الاستفادة من تحسين البنية التحتية في المستقبل، وتوفير المرافق، والتقدّم التكنولوجي بشكل فعّال لتعزيز الربط الإقليمي والديناميكية الاقتصادية.
والأهمّ من ذلك أنَّ عمليات تدقيق الأداء هذه تقدّم مخطّطاً تحويلياً لجهات التدقيق العام الأخرى من خلال إظهار كيف يمكن دمج التكنولوجيا المتقدّمة والأساليب المتعدّدة التخصّصات في الأطر التقليدية. ويثبت التطبيق الناجح للبرمجيات المفتوحة المصدر، مثل نظام QGIS لتحليل البيانات المكانية ونظام R للتجميع الهرمي، أنَّ الأدوات القائمة على البيانات قادرة على أن تعزّز بشكل كبير دقّة نتائج التدقيق وعمقها من دون الحاجة إلى استثمارات مالية ضخمة. إلى ذلك، فإنَّ دمج أدوات التفكير في النظم يقدّم نهجاً ديناميكياً لتقييم القطاعات العامة المعقّدة. وفي نهاية المطاف، ومن خلال وضع هذه السّابقة المنهجية، يزوّد هذا الإطار أجهزة الرقابة العليا الأخرى بنموذج قابل للتكرار لتحديث ممارساتها، الأمر الذي يؤدّي إلى إشراف أكثر قوة وتبصّراً وتأثيراً في مختلف أنحاء العالم.
الدروس المستفادة
- المرونة المنهجية في البيئات التي تفتقر إلى البيانات: يمكن تخفيف الفجوات الرئيسية في البيانات، مثل عدم توفّر بيانات الإحصاء الوطني الرسمية، بشكل فعّال بالتركيز على البيانات الجغرافية البديلة، والآثار الحضرية، والتقنيات المكانية المتقدّمة.
- صقل المهارات التقنية والابتكار الرقمي: يسمح دمج لغات البرمجة المتقدّمة (مثل R Studio) والبرمجيات الجغرافية المكانية (مثل QGIS) لأطر تقييم القطاع العام التقليدية بالانتقال نحو تحليلات البيانات القوية، ورسم الخرائط الحرارية، والتصوّر الجغرافي، حتّى عند بناء القدرات من المعرفة التقنية الأساسيّة.
- التفكير في النظم والاعتماد المتبادل على الموارد: يتطلّب التقييم الفعّال للبيئات الحضرية المعقّدة الانتقال إلى ما هو أبعد من المقاييس المعزولة لتحديد المتغيّرات الرئيسية واعتماداتها المتبادلة النظاميّة والديناميكيّة.
- التعاون والموافقة على أصحاب المصلحة المتعدّدين: يكتسب إشراك شبكة متنوّعة تضم أكثر من 100 مشارك – بما في ذلك الحكومات المحلية، والمعاهد الإحصائية الوطنية، والخبراء الفنيين الخارجيين – أهمية بالغة للتأكيد على صحّة المنهجيات غير التقليدية وتعزيز المشاركة في إيجاد حلول قابلة للتنفيذ.
- قابليّة التوسّع المؤسّسي والأتمتة المستقبلية: يسمح توثيق المنهجيات المبتكرة ومشاركتها بشكل منهجي بنقل المعرفة الداخلية بسلاسة، وتحقيق التكامل في المشاريع الاستراتيجية المستقبلية، والتوسّع الطويل الأجل نحو أطر مؤتمتة ومستمرّة ومدفوعة بالذّكاء الاصطناعي من خلال تحالفات أكاديمية استراتيجية.