تعزيز القيمة العامة من خلال التدقيق المواضيعي: التعلّم المؤسّسي من تجربة مجلس التدقيق في جمهورية إندونيسيا

المصدر: صور Adobe Stock، Nuthawut

من إعداد: الدكتور تري أديتيا باسوكي، إيكو براستيو، مجلس التدقيق في جمهورية إندونيسيا (الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في إندونيسيا)

المقدمة

تؤدّي الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة دوراً محورياً في تعزيز المساءلة والشفافيّة في أنظمة الحكم الديمقراطي. ومع تزايد تعقيد تحديات السّياسة العامة وترابطها، فمن المتوقّع ألا توفّر الأجهزة الضمانات حصراً بل أن تساهم أيضاً بصورة مباشرة أكثر في تحسين الحوكمة ونتائج التنمية المستدامة. وينعكس هذا التوقّع في مبدأ الإنتوساي 12، الذي يؤكّد على ضرورة أن تعمل الأجهزة على إيجاد القيمة وتحقيق فوائد ملموسة للمواطنين من خلال تعزيز المساءلة والشفافيّة وأداء القطاع العام (الإنتوساي، 2013). كما سلّطت المناقشات الدولية الضوء على الحاجة المتزايدة للأجهزة للتصدّي لتحديات الحوكمة الشّاملة عبر القطاعات والطويلة الأجل، بما في ذلك التنمية المستدامة وقدرة الحوكمة على التكيّف (مجلة الإنتوساي، 2021).

وفي إندونيسيا، شجّعت هذه البيئة المتطوّرة مجلس التدقيق في جمهورية إندونيسيا على تبنّي نهج تدقيق مواضيعي. وكثيراً ما تسفر عمليات التدقيق التقليدية التي تركّز على الجهات الفردية عن نتائج مجزّأة وغير كافية لتفسير المشكلات النظاميّة الأوسع نطاقاً التي تشمل مؤسّسات متعدّدة ومخاطر مترابطة. لذلك جرى تطوير التدقيق المواضيعي لتوفير وجهات نظر أكثر تكاملاً من خلال الجمع بين النتائج عبر الوزارات والمناطق ومستويات الحكومة.

وبات التدقيق المواضيعي نتيجة تلاؤمه مع أولويات التنمية الوطنية وأهداف التنمية المستدامة أداةً استراتيجية مهمّة ضمن إطار التدقيق الذي يعتمده مجلس التدقيق الإندونيسي. وتناقش هذه الورقة تجربة المجلس في تنفيذ التدقيق المواضيعي وتسلّط الضوء على الدروس المؤسّسية المتعلّقة بالتحليل النظامي، وإيجاد القيمة العامة، والحوكمة الشّاملة لقطاعات عديدة.

من عمليات التدقيق القائمة على الجهات إلى التحليل النظامي

يعكس التحوّل نحو التدقيق المواضيعي تحوّلاً أوسع نطاقاً في التدقيق في القطاع العام. ورغم أنَّ عمليات التدقيق التقليدية تقدّم نتائج قيّمة على مستوى الجهات، فإنّها كثيراً ما تواجه صعوبات في رصد تحديات الحوكمة عبر المؤسّسات والقطاعات ومستويات الحكومة. وتتبنّى المراجعة المواضيعية منظوراً يشمل الحكومة ككلّ يمكّن المدققين من تقييم تماسك السّياسات، والتنسيق المؤسّسي، والأداء عبر القطاعات بشكل أكثر شمولاً.

وضمن إطار مجلس التدقيق الإندونيسي، تُجرى عمليات التدقيق المواضيعية خارج نطاق عمليات التدقيق المالي وتسترشد بموضوعات استراتيجية محدّدة في سياسات التدقيق والأولويات الوطنية. ويجري تنفيذها من خلال عمليات تدقيق الأداء أو الامتثال التي تشمل وحدات تدقيق متعدّدة، ويتمثّل هدفها في تقديم استنتاجات متكاملة مع تحسين فعاليّة التدقيق واستخدام الموارد (مجلس التدقيق الإندونيسي، 2015).

وتطوّر التدقيق المواضيعي في إندونيسيا من مسائل خاصّة بقطاعات محدّدة، مثل القدرة الاقتصادية على التكيّف وتطوير البنية التحتية، إلى تحديات متعدّدة الأبعاد تتضمّن الاستدامة البيئية والقدرة على التكيف مع تغيّر المناخ. ويعكس هذا التطور اتّجاهات دولية أوسع نطاقاً نحو التدقيق الموّجه نحو الحوكمة والذي يركّز على الاستدامة (سميث وآخرون، 2021).

وطرح التنفيذ الأولي للتدقيق المواضيعي العديد من التحديات. فقد أدّت محدوديّة قدرة المدققين وموارد الميزانية إلى مخاطر عدم كفاية تغطية التدقيق للبرامج الاستراتيجية المعقّدة التي تشمل جهات وقطاعات متعدّدة. وردّاً على ذلك، عزّز مجلس التدقيق عمليات تصميم التدقيق لضمان التغطية الكافية للمخاطر الرئيسية وأصحاب المصلحة وأهداف السياسة. كما تبيّن أنَّ التنسيق محفوف بالصّعوبات لأنَّ عمليات التدقيق المواضيعية تتطلّب تعاوناً بين وحدات تدقيق متعدّدة تختلف أولوياتها وجداولها الزمنية. ولمعالجة هذه المسألة، وضع المجلس آليات تنسيق وعزّز التزام القيادة لضمان الاتّساق المنهجي والاستنتاجات المتكاملة.

وبعيداً عن هذه التحديات التشغيليّة، يمثّل التدقيق المواضيعي تحوّلاً من التقييمات التنظيمية المعزولة إلى تحليل الحوكمة الشّاملة. ومن خلال دمج النتائج في مختلف المؤسّسات والقطاعات، تمكّن عمليات التدقيق المواضيعية المجلس من تحديد أوجه الترابط بين السّياسات، وتجزئة الحوكمة، وثغرات التنفيذ التي قد لا تكون مرئية بواسطة عمليات التدقيق التقليدية.

الاتّجاهات الناشئة في عمليات التدقيق المواضيعية (2021-2025)

بين عامي 2021 و2025، توسّع التدقيق المواضيعي في إندونيسيا بشكل كبير في كلّ من النطاق والتوجّه التحليلي. ففي البداية، كانت أولويات التدقيق تركّز على التعافي الاقتصادي وتنمية رأس المال البشري في مرحلة ما بعد الجائحة، ثمّ تطورّت تدريجياً نحو البنية التحتية، وتحويل الحوكمة، والإنصاف بين المناطق، والاستدامة البيئية، والمخاطر المرتبطة بالمناخ.

وبحلول عام 2025، ازداد تلاؤم عمليات التدقيق المواضيعية مع خطة التنمية الوطنية المتوسطة الأجل في إندونيسيا للفترة 2025-2029، لاسيّما في مجال الأمن الغذائي وتنمية رأس المال البشري. ويبيّن هذا التطور تحوّلاً أوسع نطاقاً من التدقيق القطاعي والموجّه نحو الناتج إلى تقييمات أكثر تطلّعاً إلى المستقبل تؤكّد على نتائج التنمية الطويلة الأجل واستدامة السّياسات. ويعزّز دمج أهداف التنمية المستدامة في تخطيط التدقيق المواضيعي الدور المتنامي الذي تضطّلع به الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة في دعم الحوكمة المستدامة.

عمليات التدقيق المواضيعية: القيمة العامة والتحديات المؤسّسية

تكمن إحدى نقاط القوة الرئيسية للتدقيق المواضيعي في قدرته على إيجاد قيمة عامة. ومن خلال التقييم المتكامل والشّامل لقطاعات عديدة، تعمل عمليات التدقيق المواضيعية على دعم التعلّم التنظيمي، وتحسين السّياسات، وتعزيز الحوكمة، والمساهمة في تحسين الخدمات العامة، والمساءلة، ونتائج التنمية المستدامة.

ويتماشى هذا المنظور مع مفهوم مور للقيمة العامة (1995)، ومبدأ الإنتوساي 12، والمعيار الدولي للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة 300، والتي تؤكّد على أنَّ تدقيق القطاع العام لا بدّ أن يحقّق فوائد مجتمعية ذات مغزى من خلال تحسين المساءلة والكفاءة والفعاليّة (الإنتوساي، 2019). كما تسلّط المناقشات الدولية الضوء بشكل متزايد على ضرورة تخطّي الأجهزة الوظائف القائمة على الامتثال نحو المزيد من الأهمية المرتبطة بالسّياسة والتأثير العام (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية/مبادرة دعم تحسين الحوكمة والإدارة للمنظمة والاتحاد الأوروبي، 2024). وتماشياً مع هذا المنظور، ينبغي ألا يعكس تخطيط التدقيق المواضيعي الأولويات والمخاطر المؤسّسية فحسب، بل أيضاً مخاوف أصحاب المصلحة والتوقّعات المجتمعيّة.

ورغم أنَّ اختيار موضوعات التدقيق يبقى ضمن صلاحيات مجلس التدقيق، تتمّ مناقشة أولويات التدقيق المواضيعية من خلال جلسات استماع مع مجلس النواب، ومناقشات مجموعات تركيز أصحاب المصلحة، واستطلاعات أصحاب المصلحة. وتوفّر هذه الآليات مدخلات مهمّة لتحديد المسائل ذات الأهمية العامة والأهمية الاستراتيجية.

وجرى تحديد العديد من الدروس المؤسّسية من تنفيذ عمليات التدقيق المواضيعية. ويتطلّب التدقيق المواضيعي الفعّال تخطيطاً تحليلياً قوياً وتطوير المبررات الاقتصادية، وتنسيقاً مستداماً عبر وحدات التدقيق، وتحسين تغطية أخذ العينات والتدقيق، وزيادة استخدام تحليلات البيانات لدعم الاستنتاجات القائمة على الأدلّة. ويتمثّل درس رئيسي آخر في أهمية تحديد المسائل الشّاملة والمشتركة بين المؤسّسات في المراحل المبكرة من تخطيط التدقيق لتعزيز أهمية السّياسات واتّساق التدقيق.

ورغم هذه المزايا، يستمر قياس تأثير التدقيق في كونه منطوياً على تحديات كبيرة لأنَّ تأثيرات توصيات التدقيق غالباً ما تكون غير مباشرة وتدريجيّة وتتأثّر بعوامل مؤسّسية وسياسية. ومع ذلك، تشير الدراسات السّابقة إلى أنَّ عمليات التدقيق تساهم بشكل إيجابي في المساءلة، والإفصاح المالي، والضوابط الداخلية، والأداء الحكومي (إمتنان وهاسيبوان، 2021؛ باروانتو وهارتو، 2017؛ سايكتي، 2015). لذلك يتطلّب تعظيم القيمة العامة للتدقيق المواضيعي الاستعانة بنهج أكثر شمولاً لقياس التأثيرات المالية وغير المالية.

الاتّجاهات المستقبلية: دمج المقاربات الشّاملة لقطاعات عديدة

بالنّظر إلى المستقبل، من المتوقع أن يؤدّي التدقيق المواضيعي دوراً متزايد الأهمية في معالجة تحديات السّياسة المترابطة. وباتت مجالات ذات أولوية مثل الطاقة، والغذاء، والأمن المائي، وتنمية رأس المال البشري مفهومة على نحو متزايد باعتبارها نظماً مترابطة تتطلّب استجابات سياسة منسّقة. ويعكس هذا تحوّلاً تدريجياً نحو نهج التدقيق القائم على الترابط حيث يتمّ دمج ترابطات السّياسة والعلاقات الشّاملة بشكل أكثر وضوحاً في تصميم التدقيق وتحليله.

ومن المرجّح أن تركّز التحسينات المستقبليّة على تعزيز آليات التخطيط القادرة على تحديد المسائل على مستوى النظام منذ البداية، وتحسين عمليات متابعة التدقيق، وتوسيع نطاق استخدام تحليلات البيانات، وتعزيز التنسيق بين وحدات التدقيق. ومن شأن هذه التطوّرات مجتمعةً أن تدعم انتقال التدقيق المواضيعي من ابتكار ناشئ إلى ممارسة تدقيق مؤسّسية أكثر وتركّز بشكل أكبر على التأثير.

الآثار على المجتمع العالمي للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة

تقدّم تجربة مجلس التدقيق الإندونيسي العديد من الدروس للمجتمع العالمي للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة. فأولاً، يوفّر التدقيق المواضيعي مساراً فعّالاً لتجاوز التقييمات المجزّأة على مستوى الجهات نحو تقييمات أكثر منهجية لأداء الحوكمة. ثانياً، يعمل دمج المنظورات الشّاملة لقطاعات عديدة في وقت مبكر من دورة التدقيق على تحسين اتّساق نتائج التدقيق وأهميتها على صعيد السّياسات. ثالثاً، يمكن لآليات إشراك أصحاب المصلحة أن تعزّز من أهميّة عمليات التدقيق المواضيعية وشرعيّتها من خلال ضمان أن تعكس أولويات التدقيق مخاطر الحوكمة والمخاوف المجتمعية. رابعاً، من الضّروري تعزيز التنسيق المؤسّسي والمسؤولية المحدّدة بوضوح لضمان ترجمة توصيات التدقيق إلى تحسينات ملموسة في السّياسات. وأخيراً، تسلّط الأهميّة المتزايدة للبيانات الضّوء على الحاجة إلى قدرات تحليليّة وأطر مؤسّسية أقوى تدعم التدقيق القائم على الأدلّة والموجّه نحو التأثير.

الخلاصة

تؤكّد تجربة مجلس التدقيق الإندونيسي أنَّه يمكن للتدقيق المواضوعي أن يعزّز إلى حدّ كبير من أهميّة التدقيق في القطاع العام وتأثيره الاستراتيجي. ومن خلال تمكين المدققين من تحديد المسائل النظاميّة، وتعزيز التحليل الشّامل لقطاعات عديدة، وربط نتائج التدقيق بنتائج الحوكمة الأوسع نطاقاً، يوفر التدقيق المواضيعي نهجاً أكثر تكاملاً في التّعامل مع التحديات المعقّدة التي تواجه القطاع العام.

من ناحية أخرى، تسلّط تجربة التنفيذ التي يتمتّع بها المجلس الضّوء على العديد من الدروس المؤسّسية التي تتطلّب تعزيزاً مستمرّاً، بما في ذلك أطر التخطيط الأكثر متانة، وآليات التنسيق الأكثر قوة، والقدرات المعزّزة التحليليّة والخاصّة بالبيانات، والنهج الأكثر شمولاً لقياس تأثير التدقيق.

ومع تزايد الترابط بين تحديات الحوكمة، يوفّر التدقيق المواضيعي للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة فرصة مهمّة لتجاوز التقييمات المؤسّسية المجزّأة نحو تقييمات أكثر تكاملاً وتوجّهاً نحو السّياسات. ومن خلال التعلّم المؤسّسي، والتعاون، ودمج وجهات النظر الشّاملة لقطاعات متعدّدة، أصبح التدقيق المواضيعي أداةً استراتيجية على نحو متزايد لتحسين جودة الحوكمة، ودعم التنمية المستدامة، وإيجاد القيمة العامة بما يتماشى مع الدور المتطوّر للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة.


المراجع

  1. مجلس التدقيق في جمهورية إندونيسيا. (2015). إرشادات إدارة التدقيق.
  2. الإنتوساي. (2013). مبدأ الإنتوساي 12: قيمة ومنافع الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة – إحداث الفارق في حياة المواطنين. الإنتوساي.
  3. الإنتوساي. (2019). المعيار الدولي للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة 300: مبادئ رقابة الأداء.
  4. مجلة الإنتوساي. (2021). الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة تظهر قيمة من خلال مراجعة خطة 2030 وأهداف التنمية المستدامة. مجلة الإنتوساي. https://intosaijournal.org/journal-entry/sais-demonstrate-value-by-auditing-the-2030-agenda-and-the-sustainable-development-goals/
  5. Imtinan, G., & Hasibuan, D. H. M. (2021). The Impact of Audit Findings and the Follow-Up of Audit Results on the Level of Financial Statement Disclosure in Ministries. Institut Bisnis Dan Informatika Kesatuan, 9(2). https://doi.org/10.37641/jiakes.v912.488
  6. Moore, M. H. (1995). Creating public value: Strategic management in government. Harvard University Press.
  7. OECD/SIGMA. (2024). Increasing the impact of supreme audit institutions through external engagement. OECD Publishing.
  8. Parwanto, E., & Harto, P. (2017). The Effect of BPK Audit Results on Local Government Financial Performance. Diponegoro Journal of Accounting, 6, 1–9.
  9. Sayekti, F. N. (2015). Follow-Up of Audit Recommendations by the Audit Board of Indonesia on the Financial Statements of the Yogyakarta City Government.
  10. Smith, F. H., Retief, F. P., Roos, C., & Alberts, R. C. (2021). The evolving role of supreme auditing institutions (SAIs) towards enhancing environmental governance. Impact Assessment and Project Appraisal, 39(1), 67–79. https://doi.org/10.1080/14615517.2020.1834835
Back To Top