25 عاماً في إقليم بولينيزيا الفرنسية: وجود واستقلالية معترف بهما
من إعداد: جان لوك لو ميرسييه، رئيس غرفة الحسابات في إقليم بولينيزيا الفرنسية
تتّخذ غرفة الحسابات في إقليم بولينيزيا الفرنسية التي أنشئت في عام 1990 من بابيتي (تاهيتي) مقرّاً لها منذ عام 2000. ومنذ ذلك الحين، أدّت بصفتها جهازاً أعلى للرقابة المالية والمحاسبة وظائفها القضائيّة والخاصّة بالتدقيق. وتساهم الغرفة التي تضمّ 13 موظفاً، من بينهم ستة قضاة، في إعلام المواطنين وتحسين الإدارة المحلية العامّة.
1. عمل أثبت استقلاليته
تنبع هذه الاستقلالية من أحكام قانون الاختصاصات المالية، ومن برنامج تقرّره المحاكم بحريّة، بناءً على خيارات مرتبطة بالتحديات التي تواجه الإقليم والحاجة إلى التواجد في مجموعات الجزر الخمس جميعها. علاوةً على ذلك، فإنَّ التجديد النسبي للقضاة (معظمهم لم يمضِ على وجودهم في الإقليم أكثر من ثلاث سنوات)، وإن كان ذلك صعباً في بعض الأحيان، يساهم أيضاً في هذه القدرة على التعامل مع القضايا بمنظور جديد.
على مدار 25 عاماً، أصدر الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة أكثر من 270 تقريراً بشأن إدارة السلطات العامة البولينيزية. وبينما كان إقليم بولينيزيا الفرنسية، أي السلطة الحكومية المحلية التي تحظى بصلاحيات واسعة نظراً إلى تمتّعها بحكم ذاتي، الجهة الأكثر خضوعاً للتدقيق، قام الجهاز أيضاً بالتدقيق في العديد من الهيئات العامة الأخرى أو الهيئات التي تتلقّى تمويلاً عاماً (البلديات، والجمعيات، والشركات شبه العامة، وما إلى ذلك). ومع إصدار 18 تقريراً في عام 2024، جرى تحقيق الأهداف المتعلّقة بتحديات الرقابة وتوزيعها الجغرافي. وقد استلزم ذلك، في ظل نظام قضائي ذي موارد بشرية محدودة، أن يكون برنامج كل قاضٍ “موضوعياً”، إذ تولّى القاضي نفسه معالجة القضايا الاجتماعية والصحية.
وعلى مدى سنوات عدّة، كانت هذه التقارير مصحوبة بتوصيات تسمح بتقديم خدمة أكثر فعاليّة وكفاءة للمواطنين. وفي عام 2023، كان معدّل تنفيذ هذه التوصيات قريباً من 75%.
على سبيل المثال، كان من بين الموضوعات التي تناولها جهازنا الأعلى للرقابة أخيراً، تلك المتعلّقة بـ”سياسة الشباب” و”الاقتصاد الأزرق” و”سياسة السياحة في الإقليم“، والتي تعدّ الموارد الأساسية للمنطقة، وهي كلّها بمثابة أدوات مفيدة لصنع القرار على المستوى الإقليمي.
إضافةً إلى هذا العمل الذي يحظى الآن بتقدير واسع في جميع أنحاء الإقليم ويُذكر في الصحافة المحلية نحو 250 مرة سنوياً، حرص جهاز بولينيزيا الفرنسية على التعاون مع هيئات مالية أخرى، مثل ديوان المحاسبة الفرنسي ونظيره في نوميا، أي غرفة الحسابات الإقليمية في كاليدونيا الجديدة، في مشاريع مشتركة تتناول قضايا تتجاوز حدود بولينيزيا. والهدف من ذلك هو بناء ثقافات عمل مشتركة ومعالجة القضايا بطريقة أكثر شمولية. فعلى سبيل المثال، تعاون الجهاز مع نظيره في كاليدونيا الجديدة لمعالجة قضايا مثل “منع العنف ضد المرأة” و“مكافحة السمنة بين الشباب”، وهما مشكلتان شائعتان بشكل خاص في مجتمعات أوقيانوسيا (البولينيزية والميلانيزية).
تسمح استقلالية الجهاز بإصدار تقارير موضوعية وكميّة وغير منحازة، تُزوّد المواطنين بمعلومات موثّقة ومدقّقة، وهي ثمرة أشهر من التحقيق والتشاور مع الجهة الخاضعة للتدقيق. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، اكتسبت الغرفة مكانة جهة ثالثة موثوقة، وهي المكانة التي حظيت بها على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية بين مواطني هذا الإقليم.

2. الابتكار والتكيّف المستمران
على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، تطوّر جهازنا ليتكيّف مع مجتمع سريع التغير. فعلى سبيل المثال، يسعى الجهاز إلى مزيد من الانفتاح على المجتمع المحلي.
وينطبق هذا بشكل خاص على اختيار الموضوعات التي يقترحها المواطنون. وفي هذا الصّدد، اعتمد جهاز بولينيزيا الفرنسية “منصّة المواطنين” التي أطلقها ديوان المحاسبة الفرنسي في عام 2022. وتتيح هذه المنصّة للمواطنين التعبير عن آرائهم في القضايا التي تهمّهم. وتناول الموضوعان الأخيران قضايا اقتصادية مثل “الإعفاء الضريبي المحلي” و”ضريبة التنمية المحلية“، علماً بأنَّ المواطنبن يعتبرون هذه الأخيرة أحد أسباب ارتفاع الأسعار في الإقليم.
إلى ذلك، فقد خطى الجهاز أخيراً خطوةً رائدةً بطلبه من رئيس بولينيزيا الفرنسية تقديم ثلاثة أو أربعة موضوعات تدقيق سنوياً، يختار الجهاز واحداً منها. وانطلاقاً من حرصه على مصالح المواطنين، يسعى الجهاز في بولينيزيا الفرنسية إلى الحفاظ على استقلاليته والعمل كشريكٍ للبلاد، من خلال تقديم خبراته في القضايا التي يرغب الأخير في الاستفادة فيها من قدرته على إجراء تحليلات مهنية وشاملة وغير منحازة.
وفي حين تمكّن جهازنا من بناء علاقات بنّاءة مع شركائه المؤسّسيين والمواطنين على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، فقد نفّذ أيضاً ابتكارات وتغييرات داخلية تهدف إلى تحقيق تنوّع وشموليّة أكبر.
في هذا الإطار، بلغ الجهاز هدفه المتمثّل في تحقيق المساواة بين الجنسين ضمن كوادره (بما في ذلك بين قضاته). وتُعد هذه الخطوة الضرورية والمشروعة جوهر “مشروع 2025” الشّامل الذي يقوده الرئيس الأول لديوان المحاسبة الفرنسي بيار موسكوفيتشي.
وحرصاً على إتاحة المعلومات لجميع البولينيزيين الناطقين باللغة التاهيتية، تُرجمت ملخّصات التقارير إلى لغة “ريو تاهيتي” على مدار السنوات الأربع الماضية. ويهدف الجهاز إلى إيصال رسالته إلى جميع سكان الإقليم، وهي خطوة يسهّلها وجود التاهيتيين ضمن فرق عمل الغرفة.
وأخيراً، يلتزم الجهاز بالتعاون مع شركائه، بالمضي قدماً نحو التحول الرقمي، مع هدف من ثلاثة أبعاد هي تبسيط عمليات التبادل وتأمينها، وتيسير البحث، والحدّ بشكل كبير من استهلاك الورق وتالياً تقليل أثره البيئي.
طوال 25 عاماً، استرشد الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في بولينيزيا الفرنسية بثلاث عبارات هي الاستقلالية، والجدوى، وعدم الانحياز.
وقد التزم الجهاز بتوفير المعلومات خارجياً وإجراء إصلاحات داخلية لمواكبة المجتمعات التي تشهد تحولات عميقة، والسّكان الذين تتزايد مطالبهم من صانعي القرار العام.
جان لوك لو ميرسييه، رئيس غرفة الحسابات في إقليم بولينيزيا الفرنسية