مراجعة الإنفاق على مبادرة الإسكان الوطنية في البرازيل: دروس لضمان المساءلة في تخصيص الأموال الحكومية وإنفاقها

بواسطة
منظر جوي لموقع بناء المنازل النموذجية التابعة لبرنامج «مينها كاسا مينها فيدا»، في مدينة بومبييا بولاية ساو باولو، البرازيل. المصدر: Adobe Stock Images، AlfRibeiro

من إعداد: أندريه فارياس، كبير مدققين في محكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية

ملخّص

رغم أنَّ إجراءات التدقيق المالي في النفقات العامة تشكِّل حجر الزاوية في مساءلة الحكومة، فإنَّ بعداً بالغ الأهمية للتمويل العام كثيراً ما يفلت من التدقيق، ألا وهو خسارة الإيرادات من خلال الإنفاق الضريبي. وفي الفترة 2023-2024، أجرى الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في البرازيل مراجعة للمزايا الضريبية الفيدرالية التي كشفت عن فجوات كبيرة في الحوكمة وعن مخاطر تهدِّد الاستدامة المالية.

ويقدِّم هذا المقال دراسة حالة لهذا التدقيق، من خلال تفصيل الطريقة التي قيّم بها جهاز التدقيق في البرازيل كفاءة برامج المزايا الضريبية وتأثيرها الاقتصادي الفعليّ، بهدف تحسين الشفافيّة في التمويل العام. ويُختَتَم المقال بشرح الدروس المستفادة للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة الأخرى التي تسعى إلى تعزيز الإشراف على السياسة المالية بما يتجاوز إجراءات التدقيق المالي التقليدية.

المقدمة

طالما أدّت الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة دور الوصي على الإنفاق العام. ولكن في عصر يتّسم بتزايد الضغوط المالية والاعتماد المتزايد على الحوافز الضريبية لتحفيز القطاعات الاقتصادية، يجب أن تطاول المساءلة العامة أيضاً القرارات المتعلّقة بالإيرادات. وكثيراً ما تؤدّي الإعفاءات والحوافز الضريبية إلى خسارة الحكومات لإيراداتها بمقدار ما تنفقها بشكل مباشر. إلا أنَّ هذه الخسائر نادراً ما تخضع للتدقيق أو الشفافيّة نفسها.

وإدراكاً لهذا الخلل في التوازن، باشر الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في البرازيل سلسلة من المراجعات بلغت ذروتها في تدقيق شامل للنفقات الضريبية الفيدرالية كجزء من تقييمها للحسابات الفيدرالية السنوية لعام 2023. وأثارت النتائج نقاشاً وطنياً وسلّطت الضوء على الإصلاحات العاجلة اللازمة لجعل الحوكمة المالية متماشية مع المبادئ الدستورية للكفاءة والشفافيّة والإنصاف.

الخلفية: نطاق النفقات الضريبية في البرازيل وحجمها

وفقاً لتقرير محكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية لعام 2024 عن الحسابات الفيدرالية لعام 2023، خسرت الحكومة البرازيلية نحو 518.9 مليار ريال برازيلي (105 مليارات دولار أمريكي) من الإيرادات الضريبية بسبب مجموعة واسعة من الإعفاءات وبرامج الحوافز. ويمثل هذا الرقم 5.9% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد، ونحو ربع إجمالي الإيرادات الحكومية.

والأمر الأكثر لفتاً للنظر هو أنّه جرى تقديم 32 برنامجاً جديداً للمزايا الضريبية في عام 2023 وحده، بتكاليف متوقّعة بلغت 213.6 مليار ريال برازيلي حتى عام 2026. وأشارت المحكمة إلى أنَّ العديد من هذه الحوافز قد افتقر إلى تقييمات الأثر المسبق، أو آليات المراقبة، أو المبرّرات الاجتماعية أو الاقتصادية الواضحة. وفي بعض الحالات، جرى تجديد الإعفاءات الطويلة الأمد رغم الأداء الضّعيف الثّابت في تقديم المزايا العامة المقصودة.

منهجية التدقيق

أُجري التدقيق كجزء من تقرير محكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية ورأيها الأوليّ بشأن حسابات الحكومة الفيدرالية، بقيادة الوزير فيتال دو ريغو. وتضمَّن النطاق ما يلي:

  • جرد جميع برامج الإنفاق الضريبي النّشطة وتصنيفها.
  • تحليل التأثير المالي المتوقّع في مقابل المُحقَّق باستخدام بيانات من جهاز الإيرادات الفيدرالية ووزارة الخزانة الوطنية.
  • الفحص المتقاطع للمزايا الضريبية ونتائج السياسات، بما في ذلك استحداث فرص العمل، أو تنمية المناطق، أو النمو الصناعي.
  • مراجعة الممارسات التشريعية المتعلّقة بالموافقة على الحوافز الضريبية وتجديدها.
  • المقارنة المرجعية الدولية، مع التركيز على المبادئ التوجيهية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في ما يتعلّق بالشفافيّة ومراقبة النفقات الضريبية.

النتائج الرئيسية

1. الافتقار إلى التخطيط الاستراتيجي ومعايير الأداء

لاحظت محكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية أنَّه نادراً ما تُخضع السّلطة التنفيذية سياسات الإنفاق الضريبي للدقّة التخطيطية نفسها المطلوبة للإنفاق العام. وحدّدت قلّة من البرامج أهدافاً أو مستهدفات قابلة للقياس أو مؤشّرات أداء. نتيجةً لذلك، شكّلت العديد من المزايا الضريبية إعانات شبه دائمة مع مقدار ضئيل من الإشراف أو الملاحظات على فعاليّتها.

2. المخاطر المالية وقيود الميزانية

ساهم التوسّع غير المنضبط في الإنفاق الضريبي في الهشاشة الهيكليّة للمالية العامة في البرازيل. وتجاوزت الإيرادات الضّائعة التي بلغت 518.9 مليار ريال برازيلي كلّ الاستثمارات الفيدرالية إلى حدّ بعيد، ونافست فئات الإنفاق الإلزامية الرئيسية مثل رواتب التقاعد أو الرعاية الصحية. وتعمل هذه الديناميكية على تقويض صدقيّة الموازنة وتقييد الحيّز المالي المتاح للاستثمارات التقديرية.

3. التوزيع التراجعي للمزايا

أظهر التدقيق أنَّ الحصّة غير المتناسبة من المزايا الضريبية قد صبّت في صالح الشّركات الكبرى والقطاعات الأغنى. على سبيل المثال، تلقّت شركة النفط المملوكة للدولة “بتروبراس” وشركة “فالي” العملاقة للتعدين 29.5 مليار ريال برازيلي و19.2 مليار ريال برازيلي توالياً في هيئة إعفاءات ضريبية، من دون عائدات عامة واضحة. من ناحية أخرى، استفادت شركات أصغر حجماً أو سكّان من الفئات الهشّة بالحدّ الأدنى من البنية الضريبية القائمة.

4. ثغرات الحوكمة في العملية التشريعية

لفتت محكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية إلى تقديم العديد من الحوافز الضريبية أو تمديدها من خلال تدابير مؤقّتة أو تعديلات في اللحظة الأخيرة في مناقشات الميزانية، متجاوزةً المراجعة المنظّمة. وافتقرت بعض البرامج إلى سقف للتكاليف أو بنود للإنهاء، الأمر الذي سمح لها بالاستمرار من دون مهلة محدّدة بلا إعادة تقييم.

التوصيات

أصدرت محكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية، في إطار رأيها النهائي بشأن حسابات 2023 (القرار رقم 1534/2024 – الجلسة العامة)، توصيات ملموسة وقابلة للتنفيذ:

  • فرض سقف احترازي على إجمالي النفقات الضريبية كنسبة مئوية من الإيرادات الفيدرالية.
  • تعليق استحداث إعفاءات جديدة ما دامت الموازنة الفيدرالية تعاني من العجز.
  • تفويض تقييمات الأثر السّابقة واللاحقة لجميع برامج المزايا الضريبية، بما يتّفق مع المعايير الدولية مثل تلك التي وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وصندوق النقد الدولي.
  • تعزيز الشفافيّة من خلال توسيع الإفصاح العام للمستفيدين، وتقديرات التكاليف المالية، والنتائج المتوقّعة للسّياسات الضريبية.
  • إضفاء الطابع المؤسّسي على آليات المراجعة الدورية للبرامج القائمة، بما في ذلك أحكام الإنهاء التلقائية، ما لم يتمّ تجديدها استناداً إلى الأداء.

تهدف هذه التدابير إلى إعادة التوازن إلى إطار الحوكمة المالية في البرازيل وتحسين فعاليّة أدوات التمويل العام وعدالتها.

التأثير العام وتأثير السّياسات

ترتّب على نقاط الضّعف التي حدّدها التدقيق في الإدارة والرصد الماليين لمبادرة الإسكان الوطنية في البرازيل – وقد تبقى كذلك – العديد من العواقب على التأثير العام للبرنامج ونتائج السّياسات:

  • الضّرر الذي يلحق بالشّفافية والرقابة الاجتماعية: تقوّض البيانات غير المتّسقة وغير الموثوقة بشأن كيفيّة استخدام الأموال ونتائج البرنامج شفافيّته وتصعّب عمليّة التدقيق. ويمنع هذا المجتمع – بما في ذلك المنظمات غير الحكومية، التي تعتبر جزءاً لا يتجزّأ من مفهوم الرقابة الاجتماعية – من تتبّع السياسة العامة والتدقيق فيها.
  • صعوبة قياس الفعاليّة: يؤدّي الافتقار إلى الرصد القوي والمؤشّرات الحديثة – مثل التغيّرات في عجز الإسكان – إلى إضعاف القدرة على تقييم ما إذا كان البرنامج يحقّق أهدافه الأساسية بفعاليّة. ويقيّد هذا التّحسينات في عملية صنع القرار والسّياسات الرّامية إلى تلبية احتياجات السّكان على نحو أفضل.
  • خطر انقطاعات المشروع والأهداف غير المحقّقة: تشير الصّعوبات المالية وتوقّعات الإنفاق المتباينة إلى خطر توقّف البناء بسبب التوقّعات الخاطئة للمدفوعات النقديّة. وتساهم مسائل مثل المدفوعات المتأخّرة للمتعاقدين والرّصد في غير وقته في تراكم المشاريع المتوقّفة، الأمر الذي يؤثّر بشكل مباشر على المستفيدين.
  • الاستخدام غير الفعّال للموارد العامة: تكشف مشكلات مثل الاستخدام غير السّليم للمستحقّات المتأخّرة، والنفقات من دون التزام مسبق، وأوجه القصور المحاسبية عن نواقص في الإدارة المالية. ويؤدّي الفشل في مراقبة أساس الاستحقاق إلى التقليل من قيمة الأصول الفيدرالية، ممّا يعقِّد إدارة الأصول والإدارة المالية.
  • المساءلة المعرّضة للخطر: يضعف الافتقار إلى البيانات الموثوقة والرّصد الكافي قدرة الحكومة على إبلاغ المجتمع بشفافيّة ودقّة بشأن تنفيذ مبادرة الإسكان الوطنية في البرازيل ونتائجها.

باختصار، تشير الدروس المستفادة إلى حاجة ملحّة إلى تحسين إدارة المعلومات، ورصد النتائج، والإجراءات المحاسبية والمالية لضمان الشفافيّة والموثوقيّة والكفاءة والفعاليّة في مبادرة الإسكان الوطنية في البرازيل وبرامج الإسكان في المستقبل.

ما الذي يمكن أن تتعلّمه الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة الأخرى من عملية التدقيق هذه في مراجعة الإنفاق لمحكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية

كشف التدقيق في مبادرة الإسكان الوطنية في البرازيل، مع التركيز على إدارتها المالية، عن العديد من نقاط الضّعف وسلّط الضوء على الدروس الرئيسية لإدارة البرامج العامة الواسعة النطاق:

  • إدارة البيانات الحرجة والموحّدة: كانت هناك اختلافات وتناقضات واسعة النطاق ومثيرة للقلق في البيانات المالية بين وزارة تنمية المناطق، وبنك كايكسا (المدير التنفيذي)، والوكلاء الماليين الآخرين. وأشار القرار إلى الغياب الواضح لإجراءات محاسبيّة واضحة وموضوعيّة ضمن البرنامج. ويدلّ هذا على الحاجة الملحّة إلى خطّة مشتركة وقويّة لإدارة المعلومات لضمان توفّر بيانات متّسقة وموثوقة وفي الوقت المناسب.
  • رصد النتائج الأساسية وتقييمها: بعد مرور أكثر من عشر سنوات، كانت آليات تقييم النتائج لا تزال تعتبر في بدايتها. وسجّلت عملية تدقيق سابقة الرّصد غير المستقر لنتائج مبادرة الإسكان الوطنية في البرازيل. وكان مؤشّر عجز الإسكان قديماً ويعود إلى عام 2015، ممّا أدّى إلى عرقلة أي تقييم للتأثيرات الأخيرة، الأمر الذي أظهر أنَّه لا غنى عن الرّصد والتقييم المستمرّين لتحسين السّياسة العامة.
  • الفصل المحاسبي الخاص بالبرنامج: لم يجد التدقيق أي فصل للحسابات داخل صندوق الإيجار السّكني لشركات مبادرة الإسكان الوطنية في البرازيل والبرامج الفرعية للصّندوق. ويمنع هذا البيانات الواضحة عن التكاليف الإجمالية ومصادر الأموال واستخداماتها لكل برنامج. ويذكّرنا هذا بضرورة توزيع الموارد على برامج الإسكان المختلفة لأغراض الوضوح والإدارة الأفضل.
  • التخطيط المالي وتخطيط الموازنة بعناية: رغم تحويل جزء من التحليل إلى إجراء آخر، أظهرت النتائج الأوليّة عدم كفاية موارد الموازنة الفيدرالية ومسائل مثل استخدام المبالغ المستحقّة من السّنوات السّابقة. وتؤكّد هذه النقطة على أهميّة التخطيط الدقيق للموازنة والتخطيط المالي.
  • الامتثال للمعايير المحاسبية للقطاع العام: يشكّل الفشل في استخدام أساس الاستحقاق لتسجيل المشاركة المالية لبعض المستفيدين في حسابات وزارة تنمية المناطق أيضاً انتهاكاً للقواعد المحاسبية للقطاع العام. وأدّى هذا إلى التقليل من قيمة الأصول الفيدرالية وصعوبة التنبّؤ بنتائج البرامج في المستقبل، الأمر الذي أظهر ضرورة مراعاة السّجلات المحاسبية بدقّة للمعايير حتّى تعكس الحقوق والالتزامات بشكل صحيح.

الخلاصة

بينما تسعى الحكومات في مختلف أنحاء العالم إلى التوفيق بين الانضباط المالي والتنمية الشّاملة، يصبح الإشراف على الإنفاق الضريبي أمراً حتمياً. وقد تعاملت محكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية مع هذه المسألة المعقّدة باستراتيجيّة ثابتة، فقدّمت مرئيّات عملية دفعت إلى إجراء إصلاحات حقيقيّة.

ويظهر هذا أنّه يمكن أن يكون الإشراف الضريبي فنيّاً وتحويليّاً في الوقت نفسه. وبذلك لا تحمي المحكمة موارد عامة بالمليارات فحسب، بل تعزّز أيضاً أسس الحوكمة الديمقراطية.

وبالنسبة إلى مجتمع التدقيق الدولي، تؤكّد هذه الحالة على ضرورة أن يتطلّع التدقيق الفعّال في التمويل العام إلى ما هو أبعد من الإنفاق إلى عالم الحوافز الضريبية المستتر غالباً وتأثيرها الحقيقي على المجتمع.

المصدر: المحكمة الاتحادية البرازيلية للمحاسبة
العودة الى الأعلى