تطوير نُهُج ذات صلة ومبتكرة لدعم استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة: من آلية المناصرة السّريعة لاستقلالية الأجهزة إلى مسار عمل استقلاليتها
من إعداد فريدي إيف ندجيمبا، مدير عام مساعد، إدارة الحوكمة في الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، مبادرة الإنتوساي للتنمية
تؤدّي الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة دوراً حيوياً في مساءلة القطاع العام ونزاهته وشفافيّته. وحتّى تتمكّن الأجهزة من أداء دورها وبناء الثقة بين هيئات الدولة والمجتمع، يجب أن تكون مستقلَّة.
ويمكن فهم استقلالية الأجهزة على أنّها قدرة الأجهزة على العمل بشكل مستقل عن الحكومة، دون تأثير ورقابة لا داعي لهما. ويعتبر ذلك شرطاً أساسياً لقيام الأجهزة بتنفيذ ولايتها بفعالية. ويحدِّد إعلان مكسيكو للإنتوساي بشأن استقلالية الأجهزة ثمانية مبادئ، تُعرف بركائز الاستقلالية، كمعيار يمكن على أساسه تقييم استقلالية الأجهزة.
وتظهر البيانات الصادرة عن مبادرة الإنتوساي للتنمية والبنك الدولي أنَّ الأجهزة في جميع أنحاء العالم تواجه تهديدات متزايدة لتشغيلها وتنفيذ مهام التدقيق باستقلالية.
على سبيل المثال، أظهر تقرير التقييم العالمي الأخير للإنتوساي أنَّ ما لا يقل عن 40% من الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة قد شهدت تدخلاً كبيراً في تنفيذ موازناتها، فيما قالت ما نسبته 44% منها فقط إنَّها اختبرت بالكامل الوصول إلى المعلومات في الوقت المناسب، بدون قيود، وبحريّة من أجل الوفاء بمسؤولياتها القانونية على النحو السليم – انخفاض كبير من نسبة 70٪ من الأجهزة التي أفادت بأنّها تتمتّع بإمكان الوصول الكامل في عام 2017.
وبالمثل، ووفقاً لأحدث مؤشر للبنك الدولي بشأن استقلالية الأجهزة، تخضع معظم موازنات الأجهزة وتمويلها لموافقة المؤسّسات الحكومية المركزية المعنيّة بوضع الموازنة، ولم يستوفِ المعايير المتعلّقة باستقلالية الموظفين سوى 22 بلداً من أصل 118 جرى تقييمها.
وكانت الإنتوساي، من خلال هيئاتها، نشطة جداً في مناصرة استقلالية الأجهزة. وقد تُوِّجت هذه الجهود باعتماد الإنتوساي إعلان ليما حول التوجيهات المتعلقة بالمبادئ الرقابية في عام 1977 وإعلان مكسيكو بشأن استقلالية الأجهزة في عام 2007، واعترفت العديد من الصكوك بأهميّة استقلالية الأجهزة، بما في ذلك ثلاثة قرارات للأمم المتحدة وإعلانات سياسية رفيعة المستوى أخرى.
بالإضافة إلى ذلك، كانت الجهود المبذولة لدعم استقلالية الأجهزة مدفوعة بتأدية أجهزة الرقابة لدور قيادي في مناصرة المزيد من الاستقلالية من خلال التغييرات التشريعية. ومع مرور الوقت، بات من الواضح أنَّ التغييرات التشريعية ليست سوى عامل واحد في استقلالية الأجهزة. ويعرف المشهد السياسي والمؤسسي في جميع أنحاء العالم حالة تغير مستمر، ويمكن لمجموعة متنوّعة من الإجراءات التي تتّخذها السّلطة التنفيذية أو التشريعية أن تهدِّد جوانب مختلفة من استقلاليّة الأجهزة.
ويمكن أن تظهر هذه التهديدات بطرق متنوعة، مثل التعديلات على دستور البلاد، والتغييرات في الموازنة المقبلة، والتعديلات على قانون التدقيق، ومحاولات إقالة الرؤساء الحاليين للأجهزة أو تأخير تعيين رؤساء جدداً. وفي حالات قليلة، كانت هناك مقترحات لإلغاء الأجهزة بالكامل كمؤسَّسات مستقلّة.
بروز آلية المناصرة السّريعة لاستقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة
تسلِّط هذه المخاطر المستمرة الضوء على ضرورة قيام مجتمع الإنتوساي وأصحاب المصلحة المعنيين بتطوير أدوات ونُهُج لمساعدة الأجهزة على الاستجابة بسرعة وفعاليّة للتحديات التي تواجه استقلاليتها.
وعلى هذا الأساس، جرى تطوير آلية المناصرة السّريعة لاستقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة من خلال مبادرة التعاون بين الانتوساي والجهات المانحة للمناصرة ورفع الوعي بالتهديدات والانتهاكات لاستقلالية الأجهزة، فضلاً عن دعم تلك التي تواجه تحديات تعترض استقلاليتها.
وعلى مرّ السنين، تطوّرت الآلية من مبادرة تجريبية إلى آلية معروفة ومطلوبة. وقد جرى تبسيطها ضمن الإنتوساي ومجتمع المانحين واستفادت من الدعم الهائل من مختلف الجهات الفاعلة على غرار منظمات المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية، مع تزايد تعقيد المسائل.
وعند النّظر في تنفيذها على مرّ السنين، تظهر حقائق عدّة منها:
- رغم أنَّنا لا نرى سوى “غيض من فيض” لأنَّنا لا نرصد سوى التهديدات المبلغ عنها ذاتياً، يشير التشتُّت الجغرافي للحالات إلى الطابع المعولم للمسألة بالاقتران مع تركيز أكبر في مناطق محدَّدة للإنتوساي.
- في مجالات التركيز، نرى ارتباطاً مع التهديدات التي تؤثّر في المؤسسات المستقلة الأخرى، أي القضاء وتدهور الظروف المحيطة بالمساءلة، على غرار تقلّص الحيّز المدني.
- من وجهة نظر مرتبطة بالمفاهيم، ترتبط التهديدات التي تواجه استقلالية الأجهزة عادةً بالتدخّل التنفيذي. ومع ذلك، تسلِّط الأدلّة التجريبية الضوء على عوامل محرِّكة وزوايا إضافية يتمّ من خلالها تهديد استقلالية الأجهزة من الناحية العملية.
- تطلَّب التعقيد المتزايد للمسائل فهماً أعمق للسياق القُطري والهيكل المؤسسي للأجهزة (الإطار والنموذج القانونيان)، وهو ما يمكن أن يأتي على حساب سرعة الاستجابة.
- تتمحور معظم التهديدات حول مبادئ محدَّدة للإنتوساي، بما في ذلك ضمان ولاية المدقق العام، والصلاحيات والولاية، والوصول في الوقت المناسب ودون قيود إلى المعلومات، فضلاً عن الوصول إلى الموارد البشرية والموارد المالية.
- تكتسب الاستفادة من تأثير الجهات المانحة والتواصل أهميّة بالغة في مناصرة استقلالية الأجهزة. وبالمثل، تتطلب المناصرة الفعّالة على الصعيد القُطري توسيع نطاق أصحاب المصلحة للتشاور معهم على الصعيد القُطري، بل وحتّى تجاوز البرلمانيين ومنظمات المجتمع المدني لشمول السياسيين ووسائل الإعلام والجهات الفاعلة المؤسّسية.
من المناصرة التفاعليّة إلى المناصرة الاستباقيّة: مسار عمل استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة لمبادرة الإنتوساي للتنمية
أظهرت جميع هذه النتائج أهمية النهج التفاعلي من خلال آلية المناصرة السّريعة لاستقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، ولكنّها تشير أيضاً إلى مسألة أكثر جوهريّة.
في الواقع، رأينا حاجة إلى استكمال الدعوة المخصَّصة والتفاعليّة المقدَّمة من خلال الآلية مع نُهُج مناصرة أكثر استباقية، مما من شأنه أن يدعم جهود الإنتوساي عبر تمكين نهج شامل وكامل لمناصرة استقلالية الأجهزة.
وفي هذا السياق، قمنا من خلال مسار عمل استقلالية الأجهزة لمبادرة الإنتوساي للتنمية ببذل جهودنا في المناصرة الاستباقية لاستقلالية الأجهزة، بما في ذلك من خلال تطوير نُهُج ذات صلة ومبتكرة لدعم هذه الاستقلالية. وجرى استكشاف ثلاثة مسارات مترابطة على مرّ السنين.
يتعلّق المسار الأول بالمشروع العالمي لاستقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة والذي جاء نتيجة للشراكة بين مبادرة الإنتوساي للتنمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بمساهمة من الأمانة العامة للإنتوساي، ولجنة السياسات والشؤون المالية والإدارية التابعة للإنتوساي، وأمانة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية. ويأتي هذا المشروع انطلاقاً من إدراك الحاجة إلى المزيد من المناصرة وضرورة أن تستهدف وزراء المالية والبرلمانات. ومن خلال هذا المشروع، نهدف إلى وضع خطة عالمية بشأن استقلالية الأجهزة ستتجاوز النظر في العوامل الرسمية التي تؤثّر عفي استقلالية الأجهزة.
ويرتبط المسار الثاني بتعزيز الدور الذي تضطلع به الوحدة القانونية في الأجهزة في حماية استقلالية هذه الأخيرة وتقويتها. وقد أظهرت مرئيات آلية المناصرة السّريعة لاستقلالية الأجهزة أنَّه يجري تعزيز قدرتها على تحديد التهديدات لاستقلاليتها بشكل استباقي عندما يتوفّر لها دعم قانوني مخصّص يمكن أن يتّخذ شكل وحدة قانونية أو مستشار قانوني. ومن خلال مبادرة مخصّصة هي تعزيز الوحدات القانونية داخل الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، ندعم الأجهزة في ترسيخ قدراتها القانونية أو تقويتها من ناحية، ونقدّم مدخلات خبراء لعمليات الإصلاح التشريعي للأجهزة من ناحية أخرى. ومن خلال هذه المبادرة، نستكشف أيضاً التفاعل بين الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة والأجهزة القضائية وأجهزة إنفاذ القانون.
ويتعلّق المسار الثالث بتعزيز التعاون مع الجهات الفاعلة الأخرى ضمن منظومة المساءلة وتعزيز القيمة العامة للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة وتقوية سمعتها تجاه أصحاب المصلحة. ويستند هذا المسار إلى رؤية مفادها أنَّ سمعة الأجهزة تشكِّل أصلاً غير رسمي يمكنها أن تستفيد منه، عندما تكون استقلاليتها مهدّدة. ومن أجل تعزيز سمعة الأجهزة من خلال “مبادرة التعاون”، نعمل على تعزيز تفاعلات الأجهزة مع منظمات المجتمع المدني ووكالات مكافحة الفساد وغيرها. والواقع أنَّ المشاركة الأخيرة في زامبيا وملاوي من خلال مشروع التعاون والعمل والحوار لتعزيز مشاركة الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة ومنظمات المجتمع المدني المموّل من وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، أو في مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في قطر، تظهر مقداراً كبيراً من الاهتمام من جانب جميع الأطراف المعنية.
وأخيراً، يتطلّب تعزيز استقلالية الأجهزة اتّباع نهج عملي شامل، وسنعمل باستمرار إلى جانب أصحاب المصلحة، ونشارك في منتديات ومنصّات ذات صلة، بما في ذلك مبادرة التعاون بين الانتوساي والجهات المانحة، لتبسيط استقلالية الأجهزة ووضعها في السّياق المناسب.