رحلة تطوير مؤسّسي نحو إنشاء جهاز أعلى للرقابة المالية والمحاسبة متخصّص ومستقل فعليّاً: كيف أصبح الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في موزمبيق معياراً مرجعيّاً في التدقيق المتخصّص وآفاقه
من إعداد: ستيفانو كابيلو
لا يزال الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في موزمبيق يعمل في ظل نموذج هجين موروث من الحقبة الاستعمارية يشبه النموذج القضائي. وتجمع المحكمة الإدارية في موزمبيق ثلاث محاكم متميّزة ضمن هيكل تنظيمي واحد، ممثّل بالغرف التّابعة له. وتركّز الغرفتان الأولى والثانية على التقاضي الإداري والتقاضي الضريبي والجمركي توالياً. وتؤدّي الغرفة الثّالثة وظائف جهاز أعلى للرقابة المالية والمحاسبة. ورغم عملية التطوير المؤسّسي الواضحة والثّابتة في السنوات الأخيرة، تمثّلت العقبة الرئيسية التي حالت دون تقدّمها في هيكليتها الهجينة. ويعوق هذا التكوين الاستقلالية التنظيمية والمالية والوظيفية للمؤسّسة، والذي يشكّل الأساس الذي يقوم عليه الأداء الفعّال للجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة وفق ما جاء في إعلان ليما لعام 1977. لذلك لا يوجد في موزمبيق أي جهاز أعلى للرقابة عامل بكامل طاقته يلبّي توصيات الأمم المتّحدة، والإنتوساي، وأفضل الممارسات الدولية.
وقامت الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، وهي شريك تقني رئيسي للمحكمة الإدارية منذ عام 2006، بإعداد هذا المقال. ويستمر دعم الوكالة من خلال برنامج الحوكمة المالية الرشيدة، وهو عبارة عن تعاون بين جمهورية موزمبيق، والوكالة الألمانية للتعاون الدولي، والسفارة السويسرية، والاتحاد الأوروبي. ورغم التحديات المؤسّسية التي تواجها المحكمة الإدارية والنّابعة من هيكلها الهجين، فقد نجحت إلى حدّ كبير في تعزيز وظيفتها للمراقبة الخارجية. وقد بلغ هذا التقدّم، الذي كان مدفوعاً بمضافرة الجهود مع مختلف الشركاء، ذروته مع الإجماع على أعلى مستويات الحكومة على ضرورة إنشاء جهاز أعلى للرقابة المالية والمحاسبة مستقل بالكامل ومتخصّص، وهي محكمة الحسابات في موزمبيق. وتغطّي الفقرات أدناه رحلة التطوير المؤسّسي هذه، وتسلّط الضوء على المراحل الرئيسية في الجدول الزمني، والتحديات، وأهمية الإصلاح الدستوري الحالي الجاري.
وفي بداية التعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، ركّزت الغرفة الثّالثة في المحكمة الإدارية عمليّاتها الكاملة على المراقبة المسبقة على القوانين والعقود، وهي عملية تحقّق أوليّة تضمن الامتثال القانوني والخاص بالموازنة. وفي ذلك الوقت، لم تكن المحكمة الإدارية قد أجرت سوى عدد محدود من عمليات التدقيق ولم تقم قط بالتدقيق في حسابات الحكومات المحلية. وبحلول عام 2026، شهدت صلاحيات المؤسّسة تحوّلاً كبيراً، إذ باتت 80% من أنشطتها مكرّسة الآن للتدقيق وإصدار الأحكام. وتجري المحكمة الإدارية حالياً عمليات تدقيق مستمرة على مستويات الحكومة كافّة – المركزية وفي المناطق والمقاطعات وعلى الصّعيد البلدي. وتمثّل أحد المؤشّرات الواضحة لهذا التحوّل في ارتفاع عمليات التدقيق من 35 عملية أُجريت في عام 2006 إلى 600 عملية في عام 2010. وحتى تاريخه، أجرت المحكمة الإدارية ما يزيد عن 8,000 عملية تدقيق منذ عام 2006.


تعزيز ثقافة المساءلة
في عام 2007، قدّمت 107 جهات عامّة فقط حساباتها إلى المحكمة الإدارية، أي ما شكّل أقل من 8% من العدد الإجمالي للجهات العامة. وفي واقع الأمر، لم تكن أي جهة افتراضياً مسؤولة أمام المحكمة الإدارية. وبحلول عام 2025، باتت الجهات العامة جميعها تقدّم حساباتها الإدارية إلى المحكمة الإدارية، وإن كان ذلك لا يزال في هيئة ماديّة. ومع ذلك، يجري حالياً تنفيذ مبادرة رائدة هي “نظام التقديم الإلكتروني للحسابات العامة”، وهو ما يمثّل تحوّلاً نموذجياً في الإدارة المالية العامة في موزمبيق.
اعتماد عمليات تدقيق الأداء
في عام 2010، دعمت الوكالة الألمانية للتعاون الدولي اعتماد عمليات تدقيق الأداء في المحكمة الإدارية، وعزّزت تعلّم الأقران مع محاكم الحسابات البرازيلية. وخضع فريق تدقيق الأداء في المحكمة الإدارية المنشأ حديثاً لتدريب تولّت هذه المؤسسات البرازيلية تيسيره. وفي عام 2010، أتمّت المحكمة الإدارية أول عملية تدقيق أداء، مع التركيز على “توزيع كتب التدريس”، بالتّعاون مع جميع محاكم الحسابات البرازيلية. ومنذ ذلك الحين، أجرت المحكمة الإدارية باستمرار عمليات تدقيق أداء سنوية في القطاعات الرئيسية، بما في ذلك الصحّة والتعليم والزراعة والنقل، وغيرها.
اعتماد عمليات تدقيق متخصّصة
على مدى العقد الماضي، نجحت المحكمة الإدارية في تطوير قدراتها في مجال التدقيق بشكل كبير، فانتقلت من مؤسّسة تركّز في المقام الأول على الامتثال إلى مؤسّسة تجري عمليات تدقيق متخصّصة في قطاعات بالغة الأهميّة. وبدعم من الوكالة الألمانية للتعاون الدولي والشّراكات الدولية، نجحت المحكمة الإدارية في تطوير خبراتها في مجال الأشغال العامة، والصّناعات الاستخراجية، وعمليات التدقيق البيئي، بما يتّفق مع المعايير العالمية ويعالج تحديات الحوكمة الفريدة في موزمبيق. وعملت هذه المبادرات على تعزيز الشفافيّة والمساءلة والنقاش العام بشأن إدارة الموارد، الأمر الذي شكّل تحوّلاً محورياً في الدور الذي تضطّلع به المحكمة الإدارية باعتبارها الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في البلاد.
ومن خلال مبادرة رائدة للوكالة الألمانية للتعاون الدولي مع الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة في المنطقة، أنشأت المحكمة الإدارية في موزمبيق قطاع تدقيق الأشغال العامة في عام 2009. وقامت بتوظيف مهندسين ومهندسين معماريين جرى تدريبهم من خلال اتفاقيات تعاون مع محاكم حسابات أخرى. واليوم، بات هذا القطاع راسخاً وهو يجري عمليات تدقيق لمشاريع بنية تحتية معقّدة، مثل الطرق السريعة. وجهّزت الوكالة المحكمة الإدارية بمختبر لتدقيق الأشغال العامة، وهو الوحيد من نوعه لدى الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة في إفريقيا.

في عام 2015، بدأت المحكمة الإدارية في التدقيق في الصناعة الاستخراجيّة وأدخلت فصلاً حصرياً عن الصناعة الاستخراجيّة في تقريرها السّنوي ورأيها بشأن تنفيذ الموازنة العامة للدولة، بهدف تغطية سلسلة القيمة الكاملة لهذا القطاع. ويجري إعداد هذا الفصل ونشره سنوياً، بما في ذلك على الإنترنت. وتشمل مجالات التركيز الرئيسية تحليل التكاليف القابلة للاسترداد في مشاريع الغاز الطبيعي (حدّد التقرير الأول ملياري دولار أمريكي غير مؤكدة من جانب حكومة موزمبيق)، ومدفوعات الإتاوات، وحسابات المكاسب الرأسمالية، وتحليل آلية تقاسم إيرادات الموارد حيث يتمّ تخصيص 2.75% من ضرائب الإنتاج الناجمة عن استغلال الموارد المعدنية للتنمية المحلية. وكان إدراج هذه المسائل في تحليلات المحكمة الإدارية سبباً في تعزيز الحوار العام بشأن الحوكمة في قطاع الصناعات الاستخراجيّة في البلاد، وتالياً تعزيز الشفافيّة والمساءلة.
وفي ما يتّصل بموضوع المناخ والبيئة، جرى التوقيع على اتفاقية تعاون بين المحكمة الإدارية ومحكمة حسابات الأمازون في البرازيل، لتطوير عمليات التدقيق البيئي. وشاركت المحكمة في أول عملية تدقيق منسّقة للمناطق المحمية، إلى جانب أجهزة رقابة عليا من خمس دول إفريقية ناطقة بالبرتغالية، بتنسيق من محكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية بدعم من الوكالة الألمانية للتعاون الدولي. وفي المجال البيئي، ومع التّركيز على تغيّر المناخ، طبّقت المحكمة الإدارية أداة الماسح المناخي للإنتوساي في عام 2024، والتي تقدّم لمحة عامة عن حوكمة البلاد، وسياساتها العامة، وتمويل المناخ. ونتيجةً لهذا العمل، كانت المحكمة الإدارية هي الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة الإفريقي الوحيد الذي قدّم تجربته خلال فعاليّة جانبيّة نظمتها الإنتوساي أثناء مؤتمر الأطراف 29 في باكو.
استشارة بشأن الإصلاحات القانونيّة المرتبطة بالمحكمة الإدارية والدفاع عن استقلاليتها
في عام 2024، هدّد اقتراح تشريعي استقلالية المحكمة الإدارية من خلال السّعي إلى تقليص سلطتها إلى حد كبير. وكان الاقتراح يهدف إلى إلغاء إشراف المحكمة على الجهات الأساسيّة ونقل صلاحيات التدقيق والحكم إلى المحاكم الإدارية في المناطق. وكان هذا التحرّك غير المسبوق ليؤسّس محاكم حسابات دون وطنية في دولة موحّدة، وهي بنية فريدة على مستوى العالم ومن المرجّح أن تقوّض استقلالية المحكمة الإدارية، وتضعف دورها كجهاز أعلى مركزي للرقابة المالية والمحاسبة، وتفتّت قدراتها الإشرافية. وهدّدت مثل هذه التغييرات بتآكل قدرة المحكمة الإدارية على ضمان الحوكمة المالية المستقلّة والمتّسقة في مختلف أنحاء موزمبيق، مما من شأنه أن يعرّض الموارد المالية العامة إلى انعدام الكفاءة ويحدَّ من المساءلة. وقدّمت الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، بالتعاون الوثيق مع شركاء رئيسيين، لاسيّما صندوق النقد الدولي، دعماً استشارياً قوياً لمواجهة هذه المقترحات. وطوّرت الوكالة من خلال خدماتها الاستشارية رأياً فنيّاً شاملاً عزّز موقف المحكمة الإدارية. وكان هذا الرأي مفيداً في المناقشات البرلمانية، إذ تناولته باستفاضة لجانٌ فنيّة مختلفة. ومن خلال هذه الجهود الاستشارية المتضافرة والشّراكات الاستراتيجيّة، تمَّ الحفاظ بنجاح على كفاءات المحكمة الإدارية واستقلاليتها، وحماية دورها المحوري في إطار الحوكمة المالية لموزمبيق، وضرورة إنشاء جهاز أعلى للرقابة المالية والمحاسبة حديث ومستقل.
نحو إنشاء محكمة الحسابات في موزمبيق
كان إنشاء محكمة الحسابات في موزمبيق تتويجاً لسنوات من بناء القدرات المؤسّسية وتأكيداً على الإقرار العام المتزايد بأنَّ نظم المراقبة القويّة والناضجة أساسيّة للتنمية الديمقراطية والنمو الاقتصادي وتعزيز الرفاه الاجتماعي. ومنذ عام 2008، كانت الوكالة الألمانية للتعاون الدولي رائدة بين شركاء التعاون في تأييد إصلاح التصميم المؤسّسي للمحكمة الإدارية، وتحويل غرفة الحسابات العامة إلى جهاز أعلى للرقابة المالية والمحاسبة قائم بذاته يراعي المعايير الدولية ومستقل ومتخصّص. وقد عكست أحدث خطة استراتيجيّة للمحكمة الإدارية الحاجة إلى إنشاء محكمة حسابات مخصّصة لمعالجة القيود والتحديات التي يفرضها الهيكل المؤسّسي الحالي. وأعدّت الوكالة دراسة شاملة عن هذه المسألة التي تمّت مناقشتها على نطاق واسع مع الحكومة والسّلطة القضائية والسّلطة التشريعية ومنظّمات المجتمع المدني. وبرز إجماع فني وسياسي في ما يتّصل بهذه الحاجة، وقد عبّر عنه على الأخصّ خطاب تنصيب رئيس الجمهورية في يناير/كانون الثاني 2025 والموقف الموحّد الذي تبنّته جميع الأحزاب السياسيّة في البرلمان. ويتطلّب الإصلاح تعديلاً دستورياً قدّمت بشأنه المحكمة الإدارية اقتراحاً إلى الحكومة في 30 يونيو/حزيران 2025، بعدما جرى تطويره استناداً إلى دراسة الوكالة الألمانية للتعاون الدولي. وبمجرّد إنشاء محكمة الحسابات في موزمبيق، سيحقّق الإشراف على التدقيق الخارجي قفزة نوعيّة، أكثر أهمية من التقدّم الذي شهدناه حتى الآن، مما يشكّل خطوة حاسمة في تعزيز الاستقلالية المؤسّسية.