من الغموض إلى الممارسة: كيف يتعامل المكتب الوطني للتدقيق السويدي مع الذكاء الاصطناعي للتدقيق في أدائه

كريستينا غيلربرانت هاغبرغ، مدققة عامة، المكتب الوطني للتدقيق السويدي. المصدر: مكتب التدقيق الوطني السويدي

من إعداد: كريستينا غيلربرانت هاغبرغ، مدققة عامة، المكتب الوطني للتدقيق السويدي

المقدمة: إزالة الغموض عن الذكاء الاصطناعي

غالباً ما تركّز المحادثات بشأن الذكاء الاصطناعي في الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة على التكنولوجيا. وتسلّط المناقشات الضوء على النّماذج والبنية التحتية للبيانات وأطر الحوكمة والإمكانات المستقبلية. وغالباً ما يكون الحديث عن الذكاء الاصطناعي محاطاً بجوّ معيّن من الغموض. فالتّطبيقات العملية تميل إلى الخلط بين الأفكار الأكثر تبصّراً مثل العوامل المستقلّة أو حتّى الحوسبة الكميّة. وبالنسبة إلى العديد من المدققين، قد يؤدّي هذا إلى جعل الذكاء الاصطناعي يبدو معقّداً، بل وحتّى مخيفاً في بعض الأحيان. وفي العام الماضي، تعمّدنا في المكتب الوطني للتدقيق السويدي اتّخاذ نقطة بداية مختلفة.

وفي العام الماضي، تعمّدنا في المكتب الوطني للتدقيق السويدي اتّخاذ نقطة بداية مختلفة. فبدلاً من التّعامل مع الذكاء الاصطناعي على مستوى تجريدي، كان طموحنا إزالة الغموض عنه من خلال إعادة التّركيز على كيفية استخدامه في التدقيق.

وبعد ستّة أشهر من الاستخدام التشغيلي لبرنامج Microsoft CoPilot في المكتب – على نطاق واسع وأكثر شمولاً في تدقيق الأداء – بدأنا في تكوين رؤية أوضح. وتشير تجربتنا إلى أنّ التحوّل الحقيقي ليس تكنولوجياً في المقام الأول، بل إنّه يرتبط بعقليّة الموظفين.

خيار استراتيجي: الممارسة قبل النظرية

في مرحلة مبكّرة من اعتمادنا لبرنامج Copilot، قام المكتب بخيار تنظيمي واضح. ولم نعتبر الذكاء الاصطناعي برنامج تحول واسع النطاق أو مشروع تطوير تقني، بل قمنا بدلاً من ذلك باختيار اتّجاه بناءً على ثلاثة مبادئ بسيطة:

  • استخدام أدوات موجودة وآمنة – CoPilot بشكل أساسي
  • التركيز على التعلّم العملي بدلاً من التعلّم النظري
  • تشجيع التجريب في العمل اليومي

يجسّد هذا النهج رؤية أساسية بشأن التطوير المهني. فالمدقّقون لا يتعلّمون الحكم المهني من خلال قراءة السياسات، بل من خلال الممارسة.

لا حاجة لفهم المدونة الأساسيّة

ثمّة تمييز مفيد بين مراجعة نماذج الذكاء الاصطناعي بحدّ ذاتها، ودراسة طريقة تطبيق المنظّمات للذكاء الاصطناعي لتحسين عملياتها.

وفي بعض الحالات النادرة، قد يكون نموذج الذكاء الاصطناعي نفسه موضوعا للتدقيق – على سبيل المثال، عندما تعتمد سلطة عامة على خوارزمية في اتّخاذ القرار. وفي مثل هذه الحالات، قد تكون ثمّة حاجة إلى مستوى معيّن من الفهم الفنّي لتقييم طريقة عمل النموذج والمخاطر التي يفرضها. ومع ذلك، فإنَّ هذا النوع من التدقيق غير شائع نسبياً في تدقيق الأداء.

وفي كثير من الأحيان، ينصبُّ التركيز على كيفية استخدام المنظّمات للذكاء الاصطناعي كجزء من جهود أوسع نطاقاً لتحسين الكفاءة والفعالية. وهنا، لا يختلف الذكاء الاصطناعي جذرياً عن الأشكال الأخرى للرقمنة. وتتعلّق أسئلة التدقيق ذات الصلة بالحوكمة وإدارة المخاطر والضوابط الداخلية والتعلّم والمتابعة: هل تقوم المؤسسات باختبار استخدامها للذكاء الاصطناعي والتأكيد على صحّته، وتقييم المخاطر، وإدارة العواقب غير المقصودة، والتأكّد من مساهمة التكنولوجيا في النتائج المرجوّة؟

ولا يتطلّب التدقيق في الذكاء الاصطناعي أدوات تدقيق جديدة بالكامل، بل تطبيق أساليب تدقيق راسخة على نوع جديد من الأدوات. وكما هي الحال في مجالات الرقمنة الأخرى، ينصبُّ التركيز على كيفية عمل المنظّمة، وليس على العمل الداخلي للتكنولوجيا ذاتها.

والمغزى الضمني الرئيسي هنا هو أنَّ غالبيّة المدققين لا يحتاجون إلى فهم تقني عميق للذكاء الاصطناعي، بل إنَّ ما يحتاجونه هو القدرة على تقييم الطريقة التي تحكم بها المؤسّسات وكيف تستخدم الذكاء الاصطناعي في الممارسة العملية، باعتماد المبادئ الأساسية نفسها التي تدعم تدقيق الأداء بشكل أكثر عموماً.

الذكاء الاصطناعي – مسألة قيادة

تمثّل أحد أهم دروسنا في أنَّ تبنّي الذكاء الاصطناعي لا يتعلّق بالتكنولوجيا بقدر ما يتعلّق بالقيادة. وفي المكتب الوطني للتدقيق السويدي، يعني هذا أنَّ القيادة قد ركّزت على إيجاد الظروف الملائمة للتعلّم، وتقليص الحواجز التي تحول دون التجريب، وتوضيح التوقّعات والمسؤوليات، والحدّ من الخوف وعدم اليقين غير الضروريين.

ولا يعني تشجيع التجريب إزالة السّيطرة. فقد اعتمد نهجنا على مزيج من الحرية والحدود الواضحة. ويجري تشجيع المدققين على إجراء التجارب في عملهم اليومي، في حين يبقى الحكم البشري سائداً بشكل كامل في جميع الاستنتاجات. ويجب عدم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لمعالجة البيانات الحسّاسة أو السّرية. وأثبت هذا النهج المتمثّل في “الحرية المسؤولة” أهميته القصوى. فهو يتيح التعلّم مع الحفاظ على الثّقة والمساءلة والامتثال.

ما يدعمه الذكاء الاصطناعي في الواقع

من الناحية العملية، أثبت الذكاء الاصطناعي أنّه أكثر فائدة كأداة دعم. ويستخدم مدققو الأداء لدينا الذكاء الاصطناعي من أجل:

  • هيكلة الأفكار وصقلها؛
  • تحليل كميات كبيرة من النصوص؛
  • تلخيص الوثائق والمقابلات؛
  • تحسين الوضوح واللغة في التقارير؛
  • النّظر في الافتراضات الأولية.

غالباً ما يؤدّي هذا إلى تأثير ثانوي ينطوي على توقّعات أعلى من حيث الوضوح والمنطق. وعندما يصبح من الممكن اختبار الحجج بسرعة أكبر وإيجاد تفسيرات بديلة أسهل، فإنَّ هذا من شأنه أن يرفع من مستوى المعيار التحليلي. وستقضي خطوتنا التالية باستكشاف كيف يمكن للذكاء الاصطناعي دعم التدقيق المالي.

الجودة والمخاطر والمسؤولية

السّؤال الشّائع هو كيف تتأثّر مسألة المسؤولية بالذكاء الاصطناعي. وفي المكتب الوطني للتدقيق السويدي، اتّخذنا موقفاً واضحاً مفاده أنَّ الذكاء الاصطناعي لا يؤدي إلى تغيير في المبادئ الأساسية لمسؤولية التدقيق.

ويبقى المدقق مسؤولاً بالكامل عن جميع الاستنتاجات. ويتمّ التعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي ببساطة على أنّها اقتراحات من قبل “متدرِّب” أو “مساعد” مفيد للغاية. ويجب دائماً مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي والتحقّق من صحّتها بشكل نقدي.

ورغم أنَّ المخاطر مثل الأخطاء أو التحيّز حقيقيّة، ينبغي إدارتها بالطريقة نفسها التي تُدار بها أي مخاطر أخرى – مع التشكّك المهني ومن خلال المراجعة.

ويرتبط أحد أهمّ التحديات العمليّة بالبيانات. وتُعدُّ العديد من مجموعات البيانات المستخدمة في التدقيق سريّة أو مصنّفة، في حين تعمل العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدّمة في البيئات السّحابية. ويؤدي هذا إلى قيود من حيث الاستخدام. وكان نهجنا عملياً؛ فبدلاً من انتظار الحلول المثالية، نركّز على ما هو ممكن في ظل القيود الحالية.

ستة أشهر في إعداد: ملاحظات مبكرة

بعد ستة أشهر من الاستخدام التشغيلي، بدأت أنماط عدّة في الظّهور. ويحدّد المدققون على نحو متزايد حالات الاستخدام ذات الصلة الخاصّة بهم. ويُعتبر الذكاء الاصطناعي الأكثر فائدة في المهام اليومية وليس في المشاريع التجريبية المعزولة. وينتشر التعلّم من خلال الممارسة والحوار وليس من خلال التدريب الرسمي. ويتبدّد الغموض المتصوّر للذكاء الاصطناعي بمجرّد أن يبدأ المدققون في استخدامه.

ويعتبر الدرس الرئيسي في هذا التقرير بسيطاً: لا تبدأ بنهج تقني بل بنهج عملي. وحتّى يكون الذكاء الاصطناعي مفيداً، لا يحتاج أساسه التقني إلى فهم كامل. فما يهمّ هو كيفية دمجه في المهام اليومية، وما إذا كان التعلّم مدعوماً، والحفاظ على مسؤولية التدقيق.

ولا يحلّ الذكاء الاصطناعي محلّ الحكم المهني. فهو يعيد تشكيل الطريقة التي يتمّ بها تطوير هذا الحكم وتطبيقه، علماً بأنّه في المقام الأول مسألة قيادة.

Back To Top