التدقيق في الهيئات الحكومية الحسّاسة: إيجاد التوازن الصحيح بين الشفافيّة والأمن

المصدر: Adobe Stock Images، Song_About_Summer

من إعداد محمد س. الحربي، الديوان العام للمحاسبة في المملكة العربية السعودية

المقدمة

تشكّل استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة عنصراً أساسياً لضمان فعاليّة التدقيق. وهي تضمن أن تكون نتائج التدقيق موضوعية وذات صدقيّة وخالية من التأثير الخارجي. فالاستقلالية تعزّز ثقة العموم في عملية التدقيق وتقوّي آليات المساءلة في الحكومة. لكن عند التدقيق في جهات حكومية حسّاسة، على غرار وكالات الأمن القومي، يمكن أن تواجه استقلالية الأجهزة تحديات كبيرة.

وغالباً ما تواجه عملية التدقيق مقاومة من الجهات المكلّفة بالتعامل مع الأنشطة البالغة الحساسيّة والمعلومات السريّة. وهذا من شأنه أن يؤدّي إلى توتّر بين متطلبات أمن الدولة والتزامات المساءلة العامة. وينظر هذا المقال في هذه المعضلة المعقّدة، ويحدّد العواقب المترتّبة على الوصول المحدود إلى التدقيق، ويقترح مجموعة من الحلول المبتكرة والحسّاسة للسياق لحماية استقلالية عملية التدقيق والأمن الوطني على السّواء.

معضلة التدقيق في الجهات الحسّاسة

ينطوي التدقيق في المؤسّسات المسؤولة عن الدفاع الوطني والأمن الداخلي على تحديات. وكثيراً ما تدير هذه الجهات قسماً كبيراً من الموازنة العامة، ولكنّها تعمل خلف طبقات من السريّة النظامية والتشغيلية. ورغم أنَّ السريّة ضرورية للأمن القومي، يمكن استخدامها – عمداً أو بلا قصد – للحدّ من الوصول إلى عمليات التدقيق.

وفي حين أنَّ الوكالات الأمنية تعتبر مشاركة المعلومات الحسّاسة، حتّى مع هيئات تدقيق موثوقة، خطراً محتملاً، تبقى الحاجة إلى الإشراف على أمن الدولة بالغة الأهمية. وكثيراً ما تعتبر الوثائق السريّة، وخصوصاً تلك المتعلّقة بعقود الدفاع، والعمليات الاستخباريّة، وشراء الأسلحة، حسّاسة للغاية بحيث لا يمكن إفشاؤها. وقد يزعم المسؤولون أنَّ مخاطر الاختراق الأمني تفوق فوائد الإشراف الخارجي.

غير أنَّ غياب الإشراف الفعّال يثير قلقاً بالغاً. وتتلقّى وكالات الدفاع والأمن عادةً الحصة الأكبر من التمويل الحكومي. وفي غياب التدقيق الكافي، ثمّة خطر حقيقي يتمثّل في عدم الكفاءة، أو سوء الإدارة، أو حتّى الفساد. لذلك من الأهميّة بمكان وضع آليات إشرافيّة تحمي المسؤولية المالية والشفافيّة، مع تطبيق ضمانات قويّة لحماية المعلومات الحسّاسة. ويضمن تحقيق هذا التوازن الأمن الوطني وحقّ العموم في المساءلة، مما يسمح بتجنّب العوائق الخطيرة وتعزيز مقدار أكبر من الثّقة في عملية الحوكمة.

التأثير على استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة

يفرض هذا النزاع القائم تحدياً مباشراً لاستقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة. وعندما تقيّد الجهات الوصول إلى المعلومات أو تمنعه – سواء بحكم تقديرها أو بحكم النظام – فإنَّ هذا يقوّض قدرة الأجهزة على تأدية اختصاصاتها المتمثّلة في ضمان الشفافيّة والمساءلة والحوكمة الفعّالة. ووفقاً لإعلان مكسيكو بشأن استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، يشكّل الوصول إلى المعلومات مبدأ أساسياً يدعم استقلالية الأجهزة في الاضّطلاع بمسؤولياتها الإشرافية. ويؤكّد الإعلان على ضرورة تمكين هيئات التدقيق من الوصول دون عوائق إلى جميع المعلومات ذات الصلة اللازمة لإتمام عمليات التدقيق بفعاليّة، بغضّ النظر عن طبيعة الجهات التي تدقق فيها.

وعندما يكون الوصول إلى المعلومات مقيّداً، لا يحدّ هذا من قدرة الأجهزة على تقييم ما إذا كانت الموارد العامة تُدار بكفاءة وأخلاقية فحسب، بل يعوق أيضاً قدرتها على الإبلاغ عن النتائج التي تشكّل أهمية حاسمة بالنسبة إلى ثقة العموم. وتوضح المبادئ الواردة في إعلان مكسيكو أنَّه حتّى يتسنّى للأجهزة الحفاظ على استقلاليتها، يجب أن تتمتّع بالحق في الوصول إلى المعلومات اللازمة لتأدية باختصاصاتها من دون تدخّل من الجهات السياسيّة أو المؤسّسية. ويؤدّي الفشل في ضمان هذا الوصول إلى إضعاف الإشراف، وتضاؤل المساءلة، واحتمال تآكل ثقة العموم في الأجهزة والحكومات التي تقدّم لها الخدمات على السّواء.

المسار المستقبلي: التوفيق بين الاستقلالية والأمن القومي

بدلاً من أن تستبعد الشفافيّة والأمن أحدهما الآخر، ينبغي أن تسعى الحلول إلى استيعاب كلّ منهما. والواقع أنَّ عدداً من البلدان وهيئات التدقيق الدولية تجرّب بالفعل نماذج تضمن الإشراف وتحمي السريّة في الوقت نفسه.

1. تأسيس فريق تدقيق خاص

بهدف معالجة التوتّر بين المخاوف المتعلّقة بالأمن القومي والحاجة إلى استقلالية التدقيق، يمكن تنفيذ نهج متوازن عبر تصنيف حسابات أو نفقات أو أصول معيّنة إلى فئات سريّة وغير سريّة. ومن شأن هذا أن يسمح بالإشراف المستهدف، مع الاستمرار في حماية المعلومات الحسّاسة.

ويمكن تعيين فريق تدقيق خاص، مزوّد بالتصاريح الأمنية اللازمة، لمراجعة الحسابات السريّة. وسيُتاح لهذا الفريق حقّ الوصول الحصري إلى المعلومات الحسّاسة، وإتمام عمليات التدقيق بموجب بروتوكولات صارمة لضمان الأمن. ويمكن عندها لفرقاء من هذا النوع إصدار تقارير مجمّعة تحافظ على الشفافيّة دون المساس بالتفاصيل السريّة.

2. تعزيز الصلاحيات النظامية

من الضروري وجود إطار نظامي قويّ لرسم حدود حماية المعلومات والوصول إليها ضمن أي نظام. وهو يتضمّن الأنظمة واللوائح التي تحمي البيانات الحسّاسة، وتضمن السريّة مع منح المؤسّسات أيضاً سلطة إدارة هذه المعلومات ضمن الحدود النظامية. ولا يحمي هذا الإطار الخصوصيّة والأمان فحسب، بل يبني الثّقة أيضاً، ويوفّر الراحة للّذين يشاركون معلومات حسّاسة من خلال التأكيد لهم على الحماية النظامية ضد إساءة الاستخدام. وفي نهاية المطاف، يوازن الإطار بين الحاجة إلى الشفافيّة ومتطلّبات الحفاظ على السريّة عند الضرورة.

ويعمل الديوان العام للمحاسبة في المملكة العربية السعودية بموجب أحكام نظامية صارمة تتطلّب الحفاظ على السريّة في ما يتعلّق بمعلومات الجهات الخاضعة للتدقيق. وتوفّر هذه الأطر النظامية، مثل المواد أو البنود المحدّدة في أنظمتها النافذة، تأكيداً واضحاً بأنَّ جميع المعلومات الحسّاسة التي يتم الإفصاح عنها أثناء عملية التدقيق ستكون محميّة. وتريح هذه الضمانات النظامية الجهات الخاضعة للتدقيق، إذ يمكنها الوثوق بعدم الإفصاح عن بياناتها السريّة. وفي الوقت نفسه، تمنح هذه الضمانات الديوان العام للمحاسبة سلطة إجراء عمليات التدقيق بشكل فعّال ومستقل، مما يضمن إمكان وصول المدققين إلى المعلومات الضرورية مع الحفاظ على السريّة وتأمين سلامة عملية التدقيق.

الخلاصة

تعتبر استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة جزءاً لا يتجزّأ من الإدارة المالية العامة الشفّافة ولا يمكن المساومة عليها. ولكنّ التدقيق في أجهزة الدفاع والأمن الوطني يفرض معضلة تتطلّب نهجاً مرناً ومبتكراً.

وبدلاً من التّنازل عن الإشراف، يتعيّن على الأجهزة تأييد إصلاحات نظامية تعزّز المساءلة، من دون تعريض السريّة للخطر. وتحمي هذه الاستراتيجيات نزاهة عمليات التدقيق وتعمل أيضاً على تعزيز حوكمة أفضل، والحدّ من المخاطر المالية، ودفع ثقة العموم.

ومع توسّع التحديات الأمنية العالمية ونمو الموازنات الدفاعية، لا يتمثّل المسار المستقبلي في الاختيار بين الاستقلالية والأمن، بل في إيجاد أطر قويّة تعمل على دمج كلّ من الأولويتين.

المؤلف، محمد س. الحربي. المصدر: المؤلف.
Back To Top