الحفاظ على الاستقلالية: انتصارات هيئة التدقيق الملكية في بوتان وتحدياتها
بيكرام غورونغ، المدقق العام المساعد، هيئة التدقيق الملكية في بوتان
المقدمة
تعتبر الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة أساسيّة في الحوكمة الرشيدة والمساءلة والشفافية. وفي بوتان، تقوم هيئة التدقيق الملكية بالتدقيق في الموارد العامة، وتعتمد فعاليّتها بشكل حاسم على الاستقلالية وسط الضغوط السياسية أو الاقتصادية أو المؤسّسية. ويتناول هذا المقال التجارب الواقعية لهيئة التدقيق الملكية في بوتان، ويسلّط الضوء على نجاحاتها في حماية استقلاليتها والتحديات المستمرة التي تواجهها، ويستمد مرئيات من منشورات رسمية ومراجعات أقران وحالات تدقيق محدّدة.
الأسس القانونية والدستورية لاستقلالية هيئة التدقيق الملكية
استقلالية هيئة التدقيق الملكية راسخة بعمق في الإطار القانوني والدستوري لبوتان. ويجعل دستور بوتان (2008) وقانون التدقيق في بوتان لعام 2018 [1، 2] هيئة التدقيق الملكية سلطة مستقلّة مع العديد من الضمانات الرئيسية:
- تعيين المدقق العام ومدة ولايته: يعيّن الملك المدقق العام من قائمة موصى بها بصورة مشتركة من شاغلي المناصب الدستورية الرئيسية، ممّا يضمن اختياراً غير منحاز. ويتمتّع المدقق العام، الذي يقضي فترة ولاية ثابتة غير قابلة للتجديد مدّتها خمس سنوات أو حتى سن 65 عاماً، ولا يمكن إقالته إلا من خلال عملية عزل، بمقدار كبير من الأمن الوظيفي، ويبعد المنصب عن التدخّل السياسي [1، 2].
- الاستقلالية الوظيفية: يمنح قانون التدقيق هيئة التدقيق الملكية استقلالاً وظيفياً كاملاً في جميع جوانب التدقيق – التخطيط والبرمجة والتحقيق وإعداد التقارير. وهو يفرض العمليات دون خوف أو محاباة أو تحيّز، وينصّ صراحة على أنَّ هيئة التدقيق الملكية لا تخضع للتوجيه الخارجي ما لم ينصّ القانون [2] على ذلك.
- الوصول إلى المعلومات: يضمن الدستور وقانون التدقيق [1، 2] الوصول غير المقيّد إلى معلومات التدقيق الضرورية.
- الإبلاغ والنشر: هيئة التدقيق الملكية ملزمة بالإبلاغ عن النتائج التي تتوصّل إليها من خلال تقارير تدقيق سنوية ترفعها إلى الملك، ورئيس الحكومة، والبرلمان، مع التمتّع بكامل الحرية في المحتوى والتوقيت والنشر [1، 2].
- الضمانات المالية: الدولة مفوّضة دستورياً بتوفير الاعتمادات المالية الكافية. ويؤمّن هذا البند الأساسي التمويل المؤقّت، ويضمن على الأقل موازنة العام السّابق إذا تأخّرت الموازنة الوطنية، وتالياً تخفيف الضغوط المالية [2].
تعمل هذه البنود مجتمعةً على حماية استقلالية هيئة التدقيق الملكية من التدخّل السياسي والاقتصادي والمؤسّسي، وضمان دورها في دعم مساءلة القطاع العام وشفافيته.
تحديات استقلالية هيئة التدقيق الملكية
رغم إطارها القانوني القوي، تواجه هيئة التدقيق الملكية العديد من التحديات:
- طلبات التدقيق البرلمانية: في حين تتحكم هيئة التدقيق الملكية في نطاق التدقيق، يفتقر الإطار القانوني إلى حق صريح للمدقق العام في رفض الطلبات البرلمانية لعمليات تدقيق محدّدة [3]. ورغم أنَّ المدقق العام قاوم تاريخياً مثل هذه الضغوط، يبقى هذا الغموض نقطة ضعف محتملة للنفوذ الخارجي.
- التداخل مع هيئة الخدمة المدنية الملكية: يمنح قانون الخدمة المدنية الملكية هيئة الخدمة المدنية الملكية سلطة الإشراف على هيئة التدقيق الملكية، بما في ذلك الموافقة التنظيمية الداخلية وتفويضاً للتدقيق في هيئة التدقيق وموظفيها [3]. وهذا من شأنه أن يؤدّي إلى تضارب محتمل مع الاستقلالية الإدارية لهيئة التدقيق الملكية وتفويضها الأساسي في مجال التدقيق، إذ إنّها تشرك هيئة خارجية تتولى التدقيق في الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة نفسه، وهو ما من شأنه أن يهدِّد استقلالية هيئة التدقيق الملكية في إدارة الموارد البشرية والحوكمة الداخلية.
- قيود الموازنة: رغم التفويض الدستوري بتوفير التمويل الكافي، كانت حصّة هيئة التدقيق الملكية في موازنة الدولة ضئيلة (0.36% إلى 0.38% بين عامي 2012-2015) [3]. ويمكن أن تؤثِّر تخفيضات الموازنة، مثل تلك التي حدثت أثناء جائحة كوفيد-19، بشكل كبير في قدرة هيئة التدقيق الملكية على إجراء عمليات تدقيق عالية الجودة، مما يحدُّ من انتشارها وفعاليتها [3].
حالات توضح الاستقلالية وتأثيرها
هناك حالتان تجسِّدان استقلالية هيئة التدقيق الملكية وتأثيرها الملموس على مساءلة القطاع العام:
الحالة 1: هيئة التدقيق الملكية تواجه مخالفات مالية بقيمة 2,840.092 مليون نغولتروم (السنة المالية 2022-23)
تسلّط هذه الحالة الضوء على الدور الاستباقي الذي تؤدّيه هيئة التدقيق الملكية في المساءلة المالية. وفي السنة المالية 2022-23، نشرت الهيئة 456 تقرير تدقيق حدّدت مخالفات بقيمة إجمالية بلغت 2,840.092 مليون نغولتروم (حوالي 34 مليون دولار أمريكي) [4]. وتضمّنت هذه المخالفات ما يلي:
| فئة المخالفة | المبلغ (مليون نغولتروم) | النسبة المئوية من الإجمالي | الوصف |
|---|---|---|---|
| الاحتيال والفساد | 39.604 | 1.39% | نيّة متعّمدة للحصول على فوائد غير مستحقّة، أو دليل ظاهر على الاحتيال أو الخداع. |
| عدم الامتثال للقوانين والقواعد واللوائح التنظيمية | 2,244.804 | 79.04% | خروج عن القوانين والقواعد واللوائح التنظيمية والسياسات وإجراءات التشغيل الموحّدة والاتفاقات. |
| أوجه القصور والهفوات والنواقص | 555.683 | 19.57% | التأثير المادي الذي يشكِّل تهديداً محتملاً للأداء الاقتصادي والفعّال. |
يفصِّل التقرير الإجراءات المطلوبة من الجهات الخاضعة للتدقيق، ويحدِّد المسؤولين عن اتّخاذ القرارات والعقوبات والإجراءات التصحيحيّة. ويؤكّد الكشف العلني عن هذه النتائج، ونسب الاحتيال وعدم الامتثال إلى وكالات محدّدة، على الاستقلالية الوظيفية لهيئة التدقيق الملكية والتزامها بالشفافية، وهو ما يدفع المساءلة رغم الآثار المالية الكبيرة [4].
الحالة 2: مراجعة هيئة التدقيق الملكية للنظام القضائي (2019)
في إطار “مراجعة النظام القضائي والممارسات القضائية 2019″، وجدت هيئة التدقيق الملكية أنَّ الأحكام القضائية غير متاحة للعموم إلى حد كبير [5]. وهذا التدقيق بالغ الأهمية، الأمر الذي يدلّ على استعداد هيئة التدقيق الملكية للتدقيق في السلطة القضائية، التي تشكِّل فرعاً متساوياً، من دون خوف أو محاباة أو تحيّز. وأدّت النتائج التي توصّلت إليها هيئة التدقيق الملكية إلى تطورات إيجابية، إذ تمَّ إنشاء وحدة للإعلام والتواصل في المحكمة العليا، وجرى فصل الخدمات القضائية عن هيئة الخدمة المدنية في بوتان في عام 2022 لتعزيز استقلالية القضاء [5]. وتجسِّد هذه الحالة الدور القوي لهيئة التدقيق الملكية في تعزيز المساءلة والشفافية في جميع فروع الحكومة، حتى في المناطق الحسّاسة.
النماذج الناجحة والضمانات وجهود المناصرة
تنبع قدرة هيئة التدقيق الملكية على الحفاظ على الاستقلالية من:
- الأحكام القانونية المتينة: يوفّر التكريس الدستوري والأحكام المفصّلة في قانون التدقيق في بوتان لعام 2018 ضمانات أساسية، بما في ذلك ضمان الحيازة للمدقق العام، والاستقلالية الوظيفية، والوصول المضمون إلى المعلومات، وتشكيل درعٍ واقٍ قوي [1، 2].
- الرقابة البرلمانية: تراجع لجنة الحسابات العامة في البرلمان تقارير هيئة التدقيق الملكية وتضمن المتابعة، وتوفّر المساءلة الخارجية وتترجم ملاحظات التدقيق إلى إصلاحات ملموسة [1].
- المناصرة الاستباقية: أوصت مراجعة النظراء للإنتوساي (2016) بمواصلة تأييد تعزيز الاستقلالية القانونية والمالية، خصوصاً في ما يتعلّق بطلبات التدقيق البرلمانية وتداخل هيئة الخدمة المدنية الملكية [3]. والواقع أنَّ رفض هيئة التدقيق الملكية تاريخياً لبعض الطلبات البرلمانية، حتى من دون دعم قانوني صريح، يدلّ على تأييدها الداخلي والتزامها بتفويضها.
التأثير على مساءلة القطاع العام وشفافيته
تعزّز استقلالية هيئة التدقيق الملكية بشكل مباشر فعاليّة التدقيق ومساءلة القطاع العام والشفافية. وتسلّط النتائج المتعلّقة بالمخالفات المالية (2,840.092 مليون نغولتروم في السنة المالية 2022-23) والمراجعة القضائية الضوء على قدرة هيئة التدقيق الملكية على تحديد نقاط الضعف النظامية وتحميل الجهات العامة المسؤولية [4، 5]. ومن خلال الإبلاغ علناً عن الاحتيال، وعدم الامتثال، وعدم الكفاءة، توفّر هيئة التدقيق الملكية معلومات بالغة الأهمية للعموم والبرلمان، وتعزّز الشفافية وتدفع الإصلاحات الضرورية. وتظهر إجراءات المتابعة والإصلاحات تأثيراً ملموساً على الحوكمة وإدارة الموارد في بوتان.
الاستراتيجيات والدروس المستفادة للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة الأخرى
بالنسبة إلى الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة الأخرى في البلدان النامية، توفّر تجربة هيئة التدقيق الملكية استراتيجيات عملية:
- إعطاء الأولوية لإطار قانوني قوي: تأييد وضع أحكام دستورية وتشريعية تضمن صراحة استقلالية الأجهزة، بما في ذلك ضمان الحيازة، والاستقلالية الوظيفية، والموارد المالية الكافية. وتعتبر هذه خط الدفاع الأول.
- تعزيز المناصرة الاستباقية: المناصرة الاستباقية للاستقلالية، خصوصاً عندما يكون هناك غموض قانوني. والواقع أنَّ المواقف القائمة على المبادئ، حتى في غياب الدعم القانوني الصريح، يمكن أن تؤسِّس للسوابق وتقوّي العزيمة المؤسّسية.
- تعزيز العمل مع هيئات الرقابة: بناء علاقات قوية وتعاونية مع لجان الرقابة البرلمانية (مثل لجنة الحسابات العامة في بوتان) لضمان أن تؤدّي نتائج التدقيق إلى اتّخاذ إجراءات وإصلاحات ملموسة، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من تأثير الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة.
- تبنّي الشفافية في إعداد التقارير: نشر نتائج التدقيق علناً، حتى من القطاعات الحسّاسة، لبناء الثقة العامة وتوليد الضغوط الخارجية من أجل المساءلة. وتعتبر الشفافية أداة قوية.
- الاستثمار في بناء القدرات المستمر: الاستثمار في التطوير المهني وتبنّي تقنيات التدقيق الحديثة (مثل التدقيق الرقمي وتحليل البيانات) لتحسين جودة التدقيق وتأثيره. وهذا من شأنه أن يعزِّز الصدقية والفعاليّة، كما اقترحت الإصلاحات الاستراتيجية التي أقرّتها هيئة التدقيق الملكية.
الخلاصة
هيئة التدقيق الملكية في بوتان جهاز أعلى للرقابة المالية والمحاسبة نجح إلى حد كبير في الحفاظ على استقلاليته، رغم عمله في سياق بلدٍ نامٍ. فبفضل دعمه الدستوري والقانوني القوي، إلى جانب نهجه الاستباقي في التدقيق والإبلاغ، تمكّن من كشف مخالفات مالية كبيرة ودفع الإصلاحات حتى في مجالات حسّاسة مثل القضاء. وفي حين تستمر التحديات، خصوصاً في ما يتعلّق بالرقابة البرلمانية ودور هيئة الخدمة المدنية الملكية، تقدّم رحلة هيئة التدقيق الملكية دروساً قيّمة للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة في مختلف أنحاء العالم. فالإطار القانوني القوي، والمناصرة المستمرة، والمشاركة الاستراتيجية مع الهيئات الرقابية، والشفافية الثابتة، بالغة الأهمية في حماية الاستقلالية وضمان المساءلة الفعّالة للقطاع العام.
المراجع
[1] Royal Audit Authority of Bhutan. (2018). Audit Act of Bhutan 2018. https://www.bhutanaudit.gov.bt/wp-content/uploads/2020/07/Audit-Act-of-Bhutan-2018.pdf
[2] Constitution of the Kingdom of Bhutan. (2008). Article 25. https://www.bhutanaudit.gov.bt/wp-content/uploads/2020/07/Constitution-of-Bhutan.pdf
[3] INTOSAI. (2016). Peer Review on the Independence of the Office of the Royal Audit Authority of Bhutan. https://www.bhutanaudit.gov.bt/wp-content/uploads/2020/11/Peer_Review_Bhutan_2016_english.pdf
[4] Deki, S. (n.d.). RAA Confronts Nu. 2,840.092 Million Financial Irregularities. Bhutan Today. https://www.bhutantoday.bt/raa-confronts-nu-2840-092-million-financial-irregularities/
[5] BTI Project. (2024). BTI 2024 Bhutan Country Report. https://bti-project.org/en/reports/country-report/BTN