تعزيز استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة: التقدّم العالمي والتجربة السعودية

المصدر: المحكمة العامة للمراجعة في المملكة العربية السعودية

من إعداد السيّدة أريج موسى الجهني، الديوان العام للمحاسبة في المملكة العربية السعودية

المُقدِّمة

تؤدّي الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة دوراً محورياً في حماية الموارد العامة، وضمان مساءلة الحكومات وتعزيز الشفافيّة في إدارة الأموال العامة. ومن العناصر الأساسية لتحقيق هذا الدور استقلاليتها عن التأثير الخارجي غير المبرّر، والتي تسمح لها بإتمام عمليات التدقيق بموضوعية وصدقيّة. وكما أكّدت توجيهات الإنتوساي، تعمل الأجهزة على نحو أكثر فعاليّة عندما تكون محميّة من التدخّل، مما يسمح لها بوضع الاستراتيجيات المناسبة، والحصول على المعلومات اللازمة، والإبلاغ عن النتائج من دون قيود (الإنتوساي، 2019). ومن شأن النفوذ السياسي، والقيود المفروضة على الموازنة، والقدرة المحدودة على الوصول إلى السّجلات، أن تقوّض جودة التدقيق وثقة الجمهور. ويتناول هذا المقال الطريقة التي نجح بها الديوان العام للمحاسبة في المملكة العربية السعودية في التغلّب على تحديات استقلاليته من خلال أطر نظامية قويّة وتنفيذ منضبط، وتقديم مرئيّات عملية يمكن أن تعتمدها أجهزة رقابة عليا أخرى لتقوية الاستقلالية وتالياً تعزيز الحوكمة وثقة الجمهور.

تعزيز الاستقلالية: إصلاحات الديوان العام للمحاسبة في المملكة العربية السعودية

قبل عام 2019، كان الديوان العام للمحاسبة يعمل في إطار حوكمة وإطار مالي يرفع من خلالهما تقاريره إلى مجلس الوزراء، وكانت التعيينات في المناصب القيادية تتطلّب قراراً وزارياً وموافقة من المقام السّامي. ولكن في غياب إطار عمل واضح للتدقيق، كانت قدرة الديوان على التخطيط المنهجي وتصنيف عمليات التدقيق تبعاً لأولويتها مقيّدة. واتّبع تخصيص الموارد قنوات ميزانية مركزية، مما شكّل خطراً على قدرة الديوان على التخطيط والعمل بشكل مستقل. ورغم أنَّ هذه البنية وظيفية، فقد عرّضت المؤسّسة للتأثير العام، الأمر الذي جعل عملها عرضة للضغوط الخارجية.

وتمّ إدخال إصلاحات كبيرة مع صدور مرسوم ملكي في عام 2020 تمّ بموجبه نقل التعيينات في المناصب القيادية إلى خادم الحرمين الشريفين. وشكّل ذلك تغييراً جذرياً في الحوكمة، مما أدّى إلى تقليص التأثير السياسي وتعزيز الاستقلالية التشغيلية. وشملت الأحكام الرئيسية تعيين الرئيس ونائب الرئيس بأمر ملكي، والاستقلالية المالية والإدارية بما يسمح للرئيس بإعداد الهيكل التنظيمي والموازنة واللوائح الداخلية لنيل الموافقة الملكية. وقد عملت هذه الإصلاحات على مواءمة الديوان العام للمحاسبة مع مبادئ الإنتوساي العشرة (الإنتوساي، 2019)، وترسيخ الاستقلالية في الأنظمة وترجمة الحماية النظامية إلى ممارسات تشغيلية يومية.

الاستقلالية التشغيلية في الممارسة العملية

ليست الاستقلالية في المملكة العربية السعودية نظامية فحسب، بل هي عملية أيضاً. ويضمن تفويض الديوان الوصول غير المقيّد إلى السجلات، مدعوماً بالعواقب النظامية لعدم الامتثال. كما يوفّر السلطة لتصعيد القضايا المعلّقة إلى أعلى المستويات التنفيذية، وضمان المساءلة، في حين يؤدّي رفع التقارير المباشرة إلى خادم الحرمين الشريفين إلى تعزيز الضمانات المؤسّسية ضد التدخّل. وبين عامي 2020 و2025، مكّنت هذه الحماية فرقاء التدقيق من إتمام إجراءات خالية من التأثير غير المبرّر، مما أدّى إلى تحسين جودة تقارير التدقيق وتواترها بشكل كبير.

وفي العمليات اليومية، يضمن الإطار النظامي والممارسات المؤسّسية الوصول بلا قيود إلى السّجلات الضرورية والعواقب الواضحة عندما تقاوم الجهات الخاضعة للتدقيق التعاون. ويمكن أن يرسل الديوان التقارير إلى أعلى سلطة والمشاركة مع الجهات الخاضعة للتدقيق لمعالجة النتائج، وتصعيد المشكلات عند حلّها. ويعمل هذا المزيج من الضمانات النظامية والبروتوكولات التشغيلية على تحويل الاستقلالية النظامية إلى ممارسة فعّالة، وحماية الموضوعية، وحماية الموارد العامة، وتعزيز رؤية الديوان لتحقيق الريادة في التميّز في التدقيق العام.

مع ذلك، لا تزال الضغوط المؤسّسية الملازمة لعملية التدقيق قائمة. وغالباً ما تفضِّل الجهات الخاضعة للتدقيق التقييمات التعاونية بدلاً من التقييمات النقدية. وقد استجاب الديوان من خلال ترسيخ عمله في المعايير الدولية، بما يتماشى مع المعايير الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة والمعايير الدولية للتدقيق لضمان الموضوعية. كما استثمر في الخبرات المتخصّصة في نظم تكنولوجيا المعلومات والأصول المالية ومراجعات العقود، وإعداد الفرقاء للتعامل مع عمليات التدقيق المعقّدة بثقة. وجرى تعزيز الشفافيّة من خلال رفع التقارير إلى خادم الحرمين الشريفين، وقد حافظ الديوان على حوار بنّاء مع الوزارات، بينما أوضح أنَّ أحكام التدقيق النهائية تقع على عاتق المؤسّسة وحدها. على سبيل المثال، ركّزت عمليات التدقيق في برامج التخصيص ومشاريع البنية التحتية الضّخمة بشكل خاص على شفافيّة المشتريات، وتقييم الأصول، وامتثال العقود. وحتّى عندما يتم الإبلاغ بوضوح عن النتائج الحسّاسة سياسياً، فإنَّ هذا من شأنه أن يعزّز صدقيّة الديوان باعتباره حارساً محايداً للأموال العامة.

الشكل 1. تطوّر إصلاحات الديوان العام للمحاسبة في المملكة العربية السعودية (هيئة الخبراء، 2019؛ الديوان العام للمحاسبة، 2020).

المرئيات العملية لتعزيز استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة

تظهر تجربة المملكة العربية السعودية ضرورة ترسيخ الاستقلالية في الأنظمة، ولكن لا بد وأن تكون أيضاً مستدامة في الممارسة اليومية، مما يعني أنَّ الوصول إلى المعلومات والخبرات والأدوات أمر ضروري. والواقع أنَّ الإصلاحات النظامية مثل التفويضات الصّريحة، ومستويات الترابط الإداري الواضحة، والتعيينات في المناصب القيادية المحميّة، توفّر الأساس، ولكن لا بدّ من تعزيز هذه الإصلاحات من خلال الاستقلالية المالية والإدارية لحماية عملية صنع القرار الداخلي.

ولا تقلّ الاستقلالية التشغيلية أهمية، فهي تتطلّب الوصول المضمون إلى السجلات، والخبرة الفنية اللازمة لإدارة عمليات التدقيق المعقّدة، وإعداد التقارير بشفافيّة لأعلى مستويات الحكومة والعموم. وتعزّز الشفافيّة الصدقيّة، في حين أنّه من شأن المشاركة البنّاءة مع الجهات الخاضعة للتدقيق أن تعزّز الاستقلالية، ومن الضروري أن تحتفظ الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة بالسّيطرة الكاملة والقاطعة على إعداد التقارير عن النتائج التي تتوصّل إليها، من دون أي تدخّل في المحتوى المادي للتقارير التي تصدرها. ولعلّ الأمر الأكثر أهمية هو أنَّ القدرة على التكيّف هي الأساس: فمع إصلاح الحكومات، يتعيّن على الأجهزة تطوير أساليبها وقدراتها حتى تبقى ذات صلة وصدقيّة.

وعلى هذا الأساس، انخرط الديوان بشكل استباقي في شبكات النظراء الدولية، بما في ذلك مبادرات الإنتوساي ومبادرة الإنتوساي للتنمية، كجزء من استراتيجيته الخاصّة لتعزيز الاستقلالية. ومن خلال هذه المشاريع، عمل الديوان على مقارنة ضماناته النظامية والمالية والتشغيلية بأفضل الممارسات العالمية وتكييف الدروس مع سياقها المحلي. وقد استفاد من تبادل الخبرات مع أجهزة عليا أخرى، وتعلّم كيفية إدارة التحديات مثل الضغوط السياسية، والقيود المفروضة على الموازنة، وعمليات التدقيق الحسّاسة. وعملت هذه التفاعلات على تعزيز صدقيّة الديوان واستقلاليته التشغيلية، وتعزيز استقلاليته بحكم الأمر الواقع، وتوفير القدرة على الوصول إلى التوجيه الفني، والأطر، والأدوات التي تستكمل الإصلاحات المحلية. ومن خلال دمج المرئيات من الشّبكات العالمية في ممارساته الخاصّة، نجح الديوان في تحويل المشاركة الدولية إلى آلية ملموسة وعملية لدعم استقلاليته وتقويتها.

الخلاصة

ليست الاستقلالية عملية إصلاح تتمّ لمرة واحدة بل هي عملية مستمرة. وتظهر تجربة الديوان العام للمحاسبة في المملكة العربية السعودية أنَّ الضمانات النظامية، والاستقلالية التشغيلية، والممارسات المؤسّسية القوية يجب أن تعمل معاً لجعل الاستقلالية حقيقة واقعة. ومن خلال تحديد ولايات واضحة، وحماية التعيينات في المناصب القيادية، وضمان أطر الموازنة القويّة والتقارير الشفّافة، عمل الديوان على تعزيز قدرته على التدقيق من دون تدخّل وحماية الموارد العامة. ويبيّن نهجه الاستباقي، بما في ذلك الخبرات المتخصّصة والمشاركة مع شبكات الأقران الدولية، كيف يمكن أن تعزّز التدابير العملية الاستقلالية في كل من النظام والممارسة. وتظهر هذه التجربة أنَّ استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة تصبح أقوى عندما تعمل التدابير النظامية والمؤسّسية والتشغيلية معاً لضمان المساءلة والثقة العامة.


المراجع

هيئة الخبراء (المملكة العربية السعودية). نظام الديوان العام للمحاسبة (بصيغته المعدلة بالمرسوم الملكي رقم م/178 تاريخ 2/12/1441هـ). الرياض هيئة الخبراء، 2020.
https://laws.boe.gov.sa/BoeLaws/Laws/LawDetails/5dc538d4-5bbd-4995-8f0c-a9a700f2c88c/1?utm_source.

الديوان العام للمحاسبة (المملكة العربية السعودية). نظام الديوان العام للمحاسبة (المرسوم الملكي م/178، 22 يوليو/تموز 2020). الرياض الديوان العام للمحاسبة، 2020.
https://gca.gov.sa/Lists/CourtSystem/Attachments/1/%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85%20%D9%84%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B3%D8%A8%D8%A9.pdf 

المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية العامة والمحاسبة (الإنتوساي). مبدأ الإنتوساي 10: إعلان مكسيكو بشأن استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة. فيينا: الإنتوساي، 2019.
https://www.intosai.org/fileadmin/downloads/documents/open_access/INT_P_1_u_P_10/INTOSAI_P_10_ar_2019.pdf 

المؤلفة، السيدة أريج موسى الجحاني. المصدر: المحكمة العامة للمراجعة
Back To Top