المشروع العالمي: إعادة التفكير في استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة
من إعداد: توزلا لاثيف (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية) وبنجامين فوينتيس (مبادرة الإنتوساي للتنمية)
في خضمِّ المناخ السياسي المعقّد اليوم، وتراجع الثقة العامة في المؤسّسات، وتقليص الموازنات الحكومية، تصبح استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة مهمّة أكثر من أي وقت مضى في ضمان إدارة الحكومات للأموال العامة علناً وبكفاءة ولصالح المواطنين. إلا أنَّه تبيّن لكلّ من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومبادرة الإنتوساي للتنمية أنَّ الأجهزة تواجه عقبات كبرى – بل ومتزايدة في بعض الأحيان. وهذه التحديات ليست قانونية فحسب، بل هي عملية أيضاً – وخصوصاً في علاقاتها مع السّلطتين التنفيذية والتشريعية.
وحتى تعمل الأجهزة بفعالية وتؤدّي مهمّتها، من المهم ضمان استقلاليتها. ومنذ تبنّي الإنتوساي لإعلان مكسيكو بشأن استقلالية الأجهزة في عام 2007، اتّخذت العديد من البلدان خطوات لحماية الأجهزة رسمياً من التأثير الخارجي. ولكن في بيئة متزايدة التعقيد، حيث يمكن أن يتأثر الخطاب العام بتدفّقات المعلومات السريعة ووسائل التواصل الاجتماعي، قد لا تكون الحماية الرسمية وحدها كافية.
ويهدف المشروع العالمي لاستقلالية الأجهزة الذي تقوده منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومبادرة الإنتوساي للتنمية إلى استحداث مرئيات جديدة لهذه التحديات. ويتطلّع المشروع إلى ما هو أبعد من الأطر القانونية لفهم الوقائع غير الرسمية والسياسية والمؤسّسية التي تحدّد استقلالية الأجهزة من الناحية العملية. ويتلخّص الهدف من ذلك في تقديم التوجيه بشأن كيفية تطبيق مبادئ إعلان مكسيكو وحمايتها في سياقات العالم الحقيقي.
التقرير المشترك لمبادرة الإنتوساي للتنمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
بعد نحو عامين من التخطيط والبحث والمشاورات وجمع البيانات، تعكف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومبادرة الإنتوساي للتنمية على إعداد تقرير مشترك من المقرر إنجازه في عام 2026. وسيتناول التقرير التحديات الواقعية التي تواجهها الأجهزة في العمل مع السّلطتين التنفيذية والتشريعية، ويسلّط الضوء على التحديات والممارسات الجيدة والديناميكيات غير الرسمية.
إلى ذلك، سيعرض التقرير الممارسات الفعّالة التي ساهمت في استقلالية الأجهزة وفاعليتها وتأثيرها رغم الضغوط السياسية أو المالية، ويحدِّد عوامل النجاح – مثل سبل الحفاظ على المشاركة البنّاءة مع الجهات الفاعلة المؤسّسية مع حماية الاستقلالية المؤسّسية في الوقت نفسه. ومن المتوقع أن تدعم هذه النتائج التعاون في المستقبل بين الشركاء الدوليين والمؤسسات الوطنية وتساعد في تعزيز بيئات أفضل للأجهزة للعمل بصورة مستقلة. ورغم أنَّ التقرير مصمَّم في الأساس للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، قد يقدِّم أيضاً دروساً قيّمة لهيئات إشرافية مستقلّة أخرى تواجه تحدّيات مماثلة، إذ يستند المحتوى إلى قيم مجتمع الإنتوساي ومبادئ إعلان مكسيكو.
وفي الفترة التي تسبق إصدارها، ستبقى مبادرة الإنتوساي للتنمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على اتّصال وثيق بمجتمع الإنتوساي لضمان مشاركة النتائج على نطاق واسع ودعم المتابعة المجدية على المستويين العالمي والوطني.
النتائج الأولية العامة من جمع البيانات
يشير التحليل الأولي للبيانات المجمّعة إلى عدة أنماط متكرّرة عبر المناطق. وتعكس هذه العوامل السياقات التي تعمل فيها الأجهزة، لاسيّما في ما يتّصل بالديناميكيات السياسية، وتوقعات أصحاب المصلحة، وتفاعلاتهم مع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.
وتستند هذه الملاحظات إلى وجهات النظر والخبرات التي تمَّ الإبلاغ عنها من خلال عملية جمع البيانات ويجري تقديمها هنا لدعم إجراء المزيد من النقاشات والتحليلات.
الديناميكيات السياسية
وفقاً للبيانات التي تمَّ جمعها من الأجهزة المشاركة، أفاد العديد منها بأنَّه يعمل في بيئات سياسية أكثر مرونة وسريعة التغيير مقارنة بعام 2007، عندما جرى اعتماد مبادئ إعلان مكسيكو. وشدّد المجيبون على أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي تؤثّر بشكل متزايد في الروايات والتصوّرات العامة. وفي هذا السياق، تشير البيانات إلى أنَّ الضمانات القانونية وحدها قد لا تكون كافية لحماية استقلالية الأجهزة، إذ جرى اعتبار الصدقية والقدرة على التكيّف في مواجهة الضغوط غير الرسمية ذات أهميّة متزايدة.
التوقعات بشأن الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة
تشير البيانات إلى أنَّه يُتوقع في كثير من الأحيان أن تسدَّ الأجهزة ثغرات المساءلة، بينما تواجه مؤسّسات أخرى، مثل البرلمانات أو هيئات التدقيق الداخلي، قيوداً تتعلّق بالقدرات و/أو الإمكانات. وفي بعض الحالات، لاحظ المجيبون أنَّ الأجهزة تتولّى مسؤوليات إضافية، بما في ذلك في المجالات المتعلّقة بمبادرات النزاهة أو مكافحة الفساد. ورغم أنَّ هذا قد يعكس ثقة قوية في الأجهزة، تشير البيانات أيضاً إلى مخاوف بشأن إجهاد الموارد والتأثير المحتمل على الاستقلالية.
العلاقات التنفيذية
مقارنةً بالسياق حول عام 2007، تظهر البيانات أنَّه قد يكون من الصعب الآن على الأجهزة تبرير الترتيبات المؤسّسية مثل أطر الموازنة أو الأطر الإدارية المتميّزة، وخصوصاً في النقاشات مع وزارات المالية أو السلطات التنفيذية. وجرى الإبلاغ عن هذه الديناميكيات باعتبارها تؤثّر في كيفية تفاوض الأجهزة على استقلاليتها التشغيلية.
العلاقات التشريعية
رغم وصف إعلان مكسيكو البرلمانات بأنَّها حليف طبيعي للأجهزة، تشير البيانات الواردة من مناطق عدّة إلى أنَّ هذه العلاقة قد تكون تحت ضغط. وتشمل العوامل المساهمة المحدَّدة في البيانات:
محدودية القدرات البرلمانية
لاحظ المجيبون أنَّ العديد من البرلمانات تفتقر إلى الخبرات أو الموارد الكافية لاستخدام تقارير التدقيق بفعاليّة في أنشطة الرقابة.
الاستقطاب السياسي
ذكرت العديد من الأجهزة أنَّ من شأن الاستقطاب المتزايد أن يؤخِّر التعيينات أو الإصلاحات القانونية، وقد يؤدي إلى تفسير نتائج التدقيق من منظار سياسي بدلاً من تعزيز الحوار في شأن السياسات.
الأطر القانونية المعقّدة
تكشف البيانات أنَّ الإجراءات المتداخلة أو المبهمة لنشر التقارير أو متابعتها قد تفضي إلى حالة من عدم اليقين، وقد تؤدي في بعض الأحيان إلى تفسيرات مختلفة بين الأجهزة والبرلمانات.
اختلال توازن السلطة
حتّى عندما تبدو القوانين متوازنة، لاحظ المجيبون أنَّ السلطة التنفيذية تتمتع غالباً بمقدار أكبر من النفوذ والموارد، وهو ما من شأنه أنَّ يؤثّر في استقلالية موازنة الأجهزة وتعييناتها في المناصب القيادية.
السلطة القضائية
رغم أنَّ إعلان مكسيكو لم يركّز على القضاء، تشير البيانات إلى أنّه يؤدّي دوراً متنامياً في تحديد استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، وخصوصاً من خلال التفسيرات الدستورية والقانونية. ومع ذلك، أعرب بعض المجيبين عن قلقهم بشأن اتّساق قرارات السلطة القضائية واستقلاليتها في سياقات معينة، مسلّطين الضوء على أهميّة وجود بيئة قانونية مستقرّة ومحايدة لحماية استقلالية الأجهزة.
الدروس الناشئة من البيانات
تؤكّد النتائج التي توصلت إليها هذه المرحلة الأولية من جمع البيانات على العديد من الأفكار الراسخة، في حين تقدم أيضاً وجهات نظر جديدة بشأن كيفية عمل استقلالية الأجهزة من الناحية العملية.
الاستقلالية لا تعني العزلة
أكّد المجيبون على أنّ الأجهزة لا تستطيع الدفاع عن استقلاليتها بمفردها، إذ جرى التّشديد على أهميّة الشراكات مع شركاء التنمية، والمجتمع المدني، والأوساط الأكاديمية، والشّبكات العالمية، والبرلمانات، والمواطنين لرفع مستوى الوعي وتعزيز قيمة التدقيق الخارجي المستقل.
العوامل غير الرسمية مهمة
تشدّد البيانات على أنَّ القواعد والممارسات غير الرسمية تستكمل غالباً الأطر القانونية الرسمية. وأشار المجيبون إلى أنَّ التشريعات الخاصة بالأجهزة كثيراً ما تتشكَّل في فترات التغيير السياسي أو الإصلاح، وعندما تصبح القوانين قديمة، قد تنشأ آليات غير رسمية لسدِّ الثغرات. وتعتبر هذه الديناميكيات غير الرسمية مهمّة وينبغي الاعتراف بها عند تقييم استقلالية الأجهزة أو تعزيزها.
الاستقلالية مرتبطة بالقيمة والأهميّة
تشير البيانات عبر المناطق إلى ترابط وثيق بين الاستقلالية والأهميّة. ولاحظ المجيبون أنَّه من شأن الثقة العامة والمؤسّسية في الأجهزة أن تعزِّز استقلاليتها. ويُنظر إلى الأجهزة التي تظهر شفافية ونزاهة ومساءلة في عملياتها باعتبارها أكثر صدقيّة وأفضل قدرة على حماية استقلاليتها. وبهذا المعنى، فإنَّ الشرعية والثقة عنصران أساسيان من عناصر الاستقلالية المؤسّسية.
المشروع العالمي والإنكوساي الخامس والعشرون
بالإضافة إلى النتائج والمرئيات العامة المبيّنة أعلاه، قدّمت مبادرة الإنتوساي للتنمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ملخّصاً إعلامياً للمشروع العالمي خلال الإنتوساي الخامس والعشرين. وتضمّن هذا الملخّص النتائج الرئيسية المرتبطة بكل مبدأ من مبادئ إعلان مكسيكو، حيث قدّم لمحة عامة عن تنفيذ المشروع ونطاقه ومرئياته.
وشكّلت الفعالية الجانبية لمبادرة الإنتوساي للتنمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المناسبة الأولى لعرض نتائج المشروع العالمي علناً. وكانت الجلسة ديناميكية وتشاركية، وتضمّنت مداخلات لشركاء المشروع العالمي وأصحاب المصلحة.
معلومات إضافية
عملية جمع البيانات
المنهجية
بتوجيه من خبراء في مكتب المساءلة الحكومية الأمريكي وباستخدام إطار مفاهيم وضعته جامعة أوسلو، استخدمت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومبادرة الإنتوساي للتنمية نهجاً بحثياً استكشافياً. وسيستفيد تقرير المبادرة والمنظمة من المدخلات من أربعة مصادر رئيسية للمعلومات:
- الزيارات القُطرية
- ورش العمل الإقليمية
- استبيانات الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة
- مسوح أصحاب المصلحة
تركِّز المنهجية على الجوانب غير الرسمية مثل الثقة، والتصورات، والتوقعات، والثقافة التنظيمية – وهي عوامل كثيراً ما تغفل عنها المراجعات الرسمية. وخلال الزيارات القُطرية، أُجريت مقابلات شبه منظّمة باستخدام أسئلة مفتوحة. وجرى اعتماد النهج نفسه في ورش العمل الإقليمية لتشجيع وجهات النظر المتنوعة. كما تضمنت الاستبيانات مطالبات مفتوحة للسماح بتفكير أعمق.
وتمَّ إبلاغ المشاركين بأنَّ إجاباتهم ستبقى مجهولة المصدر، ولن يتم ربط أي أسماء أو مؤسّسات أو معرّفات أخرى بملاحظاتهم. وكان هذا ضرورياً لإيجاد مساحة آمنة للمحادثات المفتوحة والصادقة، نظراً إلى الطبيعة الحسّاسة للموضوع.
وصف موجز للأنشطة
- الزيارات القُطرية
تمت زيارة سبع دول: إندونيسيا (الأسوساي)، وجامايكا (الكاروساي)، والأردن (الأرابوساي)، وليبريا (منظمة الأفروساي للمجموعة اللغوية الفرعية للدول الناطقة باللغة الإنكليزية)، والمغرب (الأفروساي والأرابوساي)، وباراغواي (الأولاسيفس)، وأسبانيا (الأوروساي). وأُجريت أكثر من 90 مقابلة مع مدققين، وموظفين عموميين، وبرلمانيين، وممثلين عن المجتمع المدني. وأعطت هذه الزيارات فكرة معمّقة عن الطريقة التي تعمل بها القواعد الرسمية – أو لا تعمل – من الناحية العملية.
- ورش العمل الإقليمية
عُقِدَت ورش العمل الإقليمية في جيبوتي (المجلس الإقليمي لتدريب المؤسّسات العليا لمراقبة المالية العامة في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء الناطقة باللغة الفرنسية)، والأردن (الأرابوساي)، وكاليدونيا الجديدة (الباساي)، والفلبين (الأسوساي). وضمّت هذه الاجتماعات أجهزة من مختلف المناطق لتبادل الخبرات والتأكيد على صحّة النتائج.
- استبيانات الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة
جرى إرسال استبيان مفصّل إلى الأجهزة في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية و21 بلداً غير أعضاء في المنظمة، وذلك بالشّراكة مع مكتب المساءلة الحكومية الأمريكي. وقد استكشف سبل الحماية القانونية، وتجارب التدخل، ونقاط القوّة المؤسّسية، والمجالات التي تحتاج إلى تحسين.
- مسوح أصحاب المصلحة
تمَّ إرسال المسوح أيضاً إلى أصحاب مصلحة خارجيين، بمن فيهم:
- أعضاء الشبكة البرلمانية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
- وظيفة التنسيق المركزي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
- منظمات المجتمع المدني من خلال شراكة مع مشروع العدالة العالمية. وتمَّ جمع أكثر من 1,700 رد من الخبراء القانونيين في 80 بلداً من خلال شبكة مشروع العدالة العالمية، مما وفّر مرئيات قيّمة بشأن التصورات والديناميكيات المؤسّسية.
الشراكة مع الجهات الفاعلة المعنية
ضمّ المشروع العالمي لاستقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة مجموعة متنوعة من الشركاء لدعم تخطيطه وتصميمه وتنفيذه. وكانت هذه الشراكات مفيدة في تحديد اتّجاه المشروع وضمان توافقه مع المعايير الدولية والممارسات الجيدة.
وأدّت الأمانة العامة للإنتوساي دوراً رئيسياً في التأكيد على الأهميّة المستمرة لإعلان مكسيكو، وفي الوقت نفسه تشجيع استكشاف نُهُج مبتكرة ومتكاملة لتعزيز استقلالية الأجهزة.
ودعمت لجنة السياسات والشؤون المالية والإدارية التابعة للإنتوساي المشروع من خلال مؤسّستين من المؤسّسات الأعضاء:
- الديوان العام للمحاسبة في المملكة العربية السعودية الذي وفّر موارد مالية وخبرة فنية للزيارات داخل البلاد.
- مكتب المساءلة الحكومية الأمريكي الذي ساهم في التصميم العام للمشروع وتطوير منهجية جمع البيانات.
وقدّمت أمانة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية دعماً بالغ الأهميّة من خلال توفير المدخلات الاستراتيجية، والتوجيه الفني، والموارد المالية.
ومنذ البداية، اضّطلع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أيضاً بأدوار مهمة، إذ ضمنا توافق المشروع مع الجهود الأوسع نطاقاً الرامية إلى تحسين إدارة المالية العامة وتعزيز الشفافية المالية.