مسار الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في إندونيسيا للمحافظة على الاستقلالية

المصدر: مجلس مراجعة الحسابات لجمهورية إندونيسيا (BPK RI)

من إعداد: ر. يودي رمضان بوديمان وتيغو ويدودو وشيرليتا نوروسيداه، الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في إندونيسيا

طالما اعتُبرت استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة مبدأً أساسياً لضمان صدقيّة عمليات التدقيق في القطاع العام وفعاليّتها. فمنذ اعتماد إعلان ليما في عام 1977، كان الإجماع العالمي واضحاً على أنَّ الأجهزة لا تستطيع أداء مهامها الرقابية بفعاليّة دون درجة عالية من الاستقلالية، سواءً كان ذلك مضموناً رسمياً أو تتم ممارسته عملياً. ولا يقتصر دور الاستقلالية على الجانب التقني فحسب، بل يحمل أيضاً دلالة معيارية، إذ يُعزّز مساءلة الحكومات أمام المواطنين، ويساهم في تحقيق الهدف الأوسع المتمثّل في تقوية المؤسّسات، كما هو ملحوظ في أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، لاسيما الهدف السادس عشر المتعلّق بالسلام والعدل والمؤسّسات القوية.

من ناحية المفاهيم، تتّسم الاستقلالية بتعدّد أبعادها. وغالباً ما يجري التفريق بين الاستقلالية القانونية، المكرّسة في الدساتير والأطر القانونية، والاستقلالية الفعليّة، التي تُعنى بالقدرة الحقيقية للأجهزة على العمل دون تدخّل في الواقع العملي. وبينما تُضفي الاستقلالية القانونية الشرعية، فهي غير كافية ما لم تقابلها استقلالية فعليّة تمكّن المؤسّسات من العمل بشكل مستقل وإنفاذ نتائجها. ويُقدّم مجلس التدقيق لجمهورية إندونيسيا (الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في إندونيسيا) نموذجاً توضيحياً لكيفية تفاعل هذين الجانبين. فرغم أنَّ استقلالية الجهاز مكرّسة في الدستور الإندونيسي والتشريعات اللاحقة، تعيّن على المجلس تعزيز استقلاليته والدفاع عنها باستمرار من الناحية العملية من خلال الإصلاحات المؤسّسية، والتواصل مع أصحاب المصلحة، والتخصيص الاستراتيجي للموارد.

توفّر الأطر التي وضعتها المنظمات الدولية معايير مرجعية مفيدة لدراسة استقلالية الأجهزة. ويحدّد إعلان مكسيكو للإنتوساي ثمانية مبادئ، تشمل ولاية تدقيق واسعة النطاق، والوصول غير المقيّد إلى المعلومات، وحرية إعداد التقارير، بينما تحدّد مؤشّرات استقلالية الأجهزة الصادرة عن البنك الدولي عشرة أبعاد للاستقلالية قابلة للقياس. وتؤكّد هذه الأطر أنَّ الاستقلالية ليست إنجازاً ثابتاً أو لمرة واحدة، بل هي عملية ديناميكية يجب حمايتها وتكييفها مع الظروف المتغيّرة. وفي هذا السياق، يمكن فهم تجربة الجهاز الإندونيسي من خلال أربعة أبعاد مترابطة هي الاستقلالية التشغيلية، والاستقلالية المالية، والاستقلالية في التوظيف، وآليات ضمان المتابعة الفعّالة لتوصيات التدقيق. ويمكن الاطّلاع على تفاصيل إضافية عن مؤشرات استقلالية الأجهزة الصادرة عن البنك الدولي على الرابط التالي: https://bpk.id/appendix-BPK-  Independence .

تشكّل الاستقلالية التشغيلية أساس الاستقلالية. وفي إندونيسيا، لا يكفل الدستور هذه الاستقلالية فحسب، بل يُفصّلها أيضاً في القوانين، لاسيما قانون التدقيق الحكومي لعام 2004 وقانون الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة لعام 2006. وترسّخ هذه القوانين صلاحيات جهاز الرقابة وتؤكّد مكانته المساوية لمؤسسات الدولة العليا الأخرى، مما يضمن عدم إخضاعها للسلطة التنفيذية. مع ذلك، لا بدّ من ترجمة الاستقلالية التشغيلية إلى واقع ملموس. وقد أجرى الجهاز إصلاحات تنظيمية جوهرية، شملت مراجعة التوزيع الداخلي للمهام بين أعضاء مجلس الإدارة، وإنشاء مديريات ومكاتب إقليمية جديدة لتلبية الاحتياجات الإدارية والإقليمية المستجدّة. وفي بلد يضم أكثر من سبعة عشر ألف جزيرة، حيث يتعيّن على المدققين التكيّف مع الظروف المحلية المتنوعة، عزّزت هذه الإصلاحات استقلالية الجهاز من خلال تعميق فهمه للسياق المحلي (نوروسيداه، 2024). علاوةً على ذلك، أصدر الجهاز لوائح داخلية تُفعّل ولايته، بدءاً بمعايير التدقيق ومدوّنات أخلاقيّات المهنة، وصولاً إلى الإجراءات التفصيليّة لعمليات التدقيق الاستقصائية واحتساب خسائر الدولة. وتعمل هذه الأدوات على تعزيز الاحترافية والاتّساق والصدقية في ممارسات التدقيق.

وبالمقدار نفسه من الأهمية، لا تُمارس الاستقلالية التشغيلية بمعزل عن الأمور الأخرى، بل من خلال تفاعل مستمر مع أصحاب العلاقة الخارجيين. ويتعاون الجهاز الإندونيسي مع البرلمان، ووكالات إنفاذ القانون، والمنظمات المهنية، والمجتمع المدني لضمان شرعية نتائجه وقابلية تنفيذها. فعلى سبيل المثال، يعزز تعاونه مع البرلمان الصلاحية السياسية لتقارير التدقيق، بينما يدعم التعاون مع وكالات إنفاذ القانون تطبيق النتائج المتعلّقة بالاحتيال أو الفساد. ومن خلال بناء شبكات دعم، لا يدافع الجهاز عن استقلاليته ضد أي تدخل محتمل فحسب، بل يضمن أيضاً أن يُترجم عمله إلى نتائج مساءلة ملموسة.

البعد الثاني هو الاستقلالية المالية، وهو أمر بالغ الأهمية، إذ بدون موارد كافية، تصبح الاستقلالية رمزيّة حصراً. وتنصّ التشريعات الإندونيسية على ضرورة إدراج موازنة الجهاز كبند مستقل في موازنة الدولة. مع ذلك، ومن الناحية العملية، كان تقديم الموازنة والموافقة عليها يتم في البداية عبر وزارات وسيطة، مما يتيح المجال لتأثير السلطة التنفيذية. وقد ساهمت الإصلاحات تدريجياً في الحد من نقطة الضعف هذه، عبر السّماح لجهاز الرقابة بتقديم موازنته مباشرةً إلى البرلمان، على أن تقتصر النقاشات اللاحقة على وزارة المالية في المسائل الفنية فحسب. وعزّز هذا التعديل الاستقلالية المؤسّسية وأسفر عن نتائج ملموسة، أبرزها زيادة الموازنة بنسبة 25% في عام 2025 مقارنةً بعام 2024. وبفضل ازدياد الموارد، تمكّن الجهاز من توسيع بنيته التحتية، والاستثمار في تقنيات التدقيق الحديثة، وتحسين الأجور، علماً بأنَّ كل ذلك يعزّز قدرته المؤسّسية على التكيّف.

ولا تقتصر الاستقلالية المالية على تأمين التمويل الكافي فحسب، بل تشمل أيضاً كيفية إدارة الأموال. وقد أثبت الجهاز حوكمة مالية رشيدة، بما يضمن توافق الموارد مع الأولويات الاستراتيجية وشفافيّة النفقات. ومن خلال إدارة موازنته بمسؤولية، يعزّز الجهاز صدقيته في مطالبة المؤسّسات الأخرى بالمساءلة. لذلك تعدّ الاستقلالية المالية شرطاً أساسياً للنزاهة المؤسّسية، وانعكاساً لها في الوقت نفسه.

يعدّ البعد الثالث، وهو الاستقلالية في التوظيف، بالغ الأهمية لضمان جودة أعمال التدقيق. فالموارد البشرية هي ركيزة القدرات المؤسّسية، والقدرة على استقطاب الكفاءات وتطويرها واستبقائها أمر لا غنى عنه للحفاظ على الاستقلالية. وفي إندونيسيا، تتولى وزارة أجهزة الدولة وهيئة الخدمة المدنية الوطنية استخدام الموظفين العموميين مركزياً، ولكنّ الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة يشارك بفعاليّة في العملية عبر تحديد احتياجاته من الموظفين، وإجراء المقابلات، وضمان استيفاء المرشّحين للمعايير المهنية، مما يساهم في تعزيز القدرات المؤسّسية للجهاز بشكل ملحوظ.

وإلى جانب استخدام الموظفين العموميين، يتمتّع جهاز الرقابة بصلاحية التعاقد مع مدققين وخبراء خارجيين، مما يمنحه مرونة في تلبية متطلبات التدقيق المتخصّصة أو الفنية. كما يعزز وجود مركز تدريب وتطوير متخصّص القدرات الداخلية من خلال توفير برامج تطوير مهني مستمر. بالإضافة إلى ذلك، نجح الجهاز في المطالبة ببدلات متمايزة لموظفيه، إدراكاً منه للمتطلبات الفريدة لعمل التدقيق، وحمايةً للنزاهة المهنية من خلال ربط الأجر بالمسؤولية. وتضمن هذه التدابير مجتمعةً عدم تقويض استقلالية التوظيف بسبب القيود البيروقراطية الأوسع، فضلاً عن تمكين الجهاز من الحفاظ على مستوى عالٍ من الكفاءة الفنية.

يتعلّق البعد الرابع بفعاليّة آليات متابعة توصيات التدقيق. ولا تنتهي الاستقلالية بمجرّد إصدار التقارير، بل يجب أن تنعكس أيضاً في مدى تنفيذ التوصيات. وقد وضع جهاز الرقابة إجراءات واضحة تلزم الجهات الخاضعة للتدقيق بالردّ على التوصيات في غضون 60 يوماً. وتتمّ مراجعة هذه الردود والتدقيق فيها. ولتعزيز الكفاءة والمساءلة، استحدث الجهاز نظاماً متكاملاً لتكنولوجيا المعلومات يتعقّب إجراءات المتابعة من وقت لآخر. ولا يعزّز هذا الابتكار الشفافيّة فحسب، بل يضمن أيضاً ترجمة نتائج التدقيق إلى تحسينات ملموسة في الحوكمة. كما مكّن النظام الجهاز من توليد بيانات بشأن معدّلات الامتثال، مما يعزّز بدوره رقابة البرلمان ويشجّع على مزيد من المساءلة بين الجهات الخاضعة للتدقيق.

تقدّم التجربة الإندونيسية العديد من الدروس الأوسع نطاقاً لدراسة استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة وممارستها. أولاً، تعتبر الضمانات الدستورية والقانونية أساسيّة، ولكنها غير كافية بمفردها. ويجب ممارسة الاستقلالية وتعزيزها باستمرار من خلال الممارسات اليومية، والإصلاحات المؤسّسية، والمشاركة الاستراتيجية. ثانياً، تتطلّب الاستقلالية موارد كافية. فبدون موارد مالية وبشرية كافية، حتى أكثر المؤسسات استقلالية رسمياً تصبح معرّضة لخطر عدم الفعاليّة. ثالثاً، تعتبر مشاركة أصحاب المصلحة بالغة الأهمية. ولا تعني الاستقلالية العزلة، بل يتعين على الأجهزة إرساء علاقات بنّاءة مع مؤسّسات أخرى، مما يزيد من شرعيتها ويُسهّل تطبيق ما توصّلت إليه. رابعاً، يؤدّي الابتكار التكنولوجي دوراً متزايداً في حماية الاستقلالية من خلال تحسين الشفافيّة والكفاءة والمساءلة في عمليات التدقيق. وأخيراً، ينبغي فهم الاستقلالية على أنّها عملية مستمرة وليست غاية بحد ذاتها. فهي تتطلّب يقظة دائمة، وتكيّفاً، وتعزيزاً في مواجهة الديناميكيات السياسية والمؤسّسية والاجتماعية المتغيّرة.

الخلاصة

بعد مرور ما يقارب خمسة عقود على إعلان ليما، لا يزال مبدأ استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة أساسياً للحوكمة الفعّالة. وتُظهر تجربة الجهاز الإندونيسي أنّه في حين توفّر الضمانات الدستورية أساساً متيناً، يتطلّب التطبيق العملي للاستقلالية إصلاحات استراتيجية شاملة. ومن خلال الجهود المبذولة في مجال الاستقلالية التشغيلية، والترتيبات المالية، وسياسات التوظيف، وآليات المتابعة، نجح الجهاز في ترسيخ استقلاليته القانونية والفعليّة. ولم تعزّز هذه الإصلاحات صدقيته المحلية فحسب، بل ساهمت أيضاً في تحقيق الهدف العالمي المتمثّل في تقوية المؤسّسات في إطار الهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة. فالاستقلالية، كما يتّضح في هذه الحالة، هي مبدأ قانوني وممارسة مؤسّسية قائمة يجب حمايتها باستمرار للحفاظ على المساءلة والشفافيّة والنزاهة في إدارة المالية العامة.


المراجع

  • INTOSAI. (1977). The Lima Declaration of Guidelines on Auditing Precepts. International Organization of Supreme Audit Institutions.
  • الإنتوساي، (1977). إعلان ليما حول التوجيهات المتعلقة بالمبادئ الرقابية، المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة.
  • INTOSAI. (2007). Mexico Declaration on SAI Independence (INTOSAI-P 10). International Organization of Supreme Audit Institutions.
  • الإنتوساي، (2007). إعلان مكسيكو بشأن استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة (مبدأ الإنتوساي 10)، المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة.
  • Nurosidah, Sherlita. (2024). Unveiling Challenges: Auditing Small Islands in the Indonesian Archipelago. International Journal of Government Auditing.
  • شيرليتا نوروسيدا ، (2024) إماطة اللثام عن التحديات: تدقيق الجزر الصغيرة في الأرخبيل الإندونيسي، المجلة الدولية للرقابة المالية الحكومية
  • Republic of Indonesia. (2004). Law No. 15 of 2004 on State Audit.
  • جمهورية إندونيسيا. (2004). القانون رقم 15 لعام 2004 بشأن تدقيق الدولة.
  • Republic of Indonesia. (2006). Law No. 15 of 2006 on the Audit Board of the Republic of Indonesia.
  • جمهورية إندونيسيا. (2006). القانون رقم 15 لعام 2006 بشأن مجلس التدقيق في جمهورية إندونيسيا.
  • United Nations. (2015). Transforming our world: The 2030 Agenda for Sustainable Development. Resolution adopted by the UN General Assembly, A/RES/70/1.
  • الأمم المتحدة، (2015)، تحويل عالمنا: خطة التنمية المستدامة لعام 2030. قرار اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار A/RES/70/1.
  • World Bank. (2021). Supreme Audit Institutions Independence Index (InSAI): Global SAI Independence Report. Washington, DC: World Bank.
  • البنك الدولي، (2021)، مؤشر استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة: التقرير التجميعي الشامل لعام 2021، واشنطن العاصمة، البنك الدولي.
Back To Top