فهم عوامل السياق التي تؤثّر في استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة: المشروع العالمي لمبادرة الإنتوساي للتنمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
من إعداد: إينار غوريسن، المدير العام لمبادرة الإنتوساي للتنمية
في أكتوبر/تشرين الأول 2022، بدأت مبادرة الإنتوساي للتنمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التعاون في جهد مشترك لاستكشاف التحديات التي تواجهها الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة في حماية استقلاليتها. وبدلاً من التركيز على الأطر القانونية فحسب، تلخّص الهدف في دراسة استقلالية الأجهزة من منظور أوسع وأكثر عملية، مع الأخذ في الاعتبار الضغوط غير الرسمية، والديناميكيات المؤسسية، والوقائع السياسية التي تؤثر في كيفية ممارسة الاستقلالية من الناحية العملية.
نتيجةً لهذا الفهم المشترك، أطلقنا المشروع العالمي لاستقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة. وجمعت هذه المبادرة شركاء رئيسيين، بمن فيهم لجنة السياسات والشؤون المالية والإدارية التابعة للإنتوساي، والأمانة العامة للإنتوساي، وأمانة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي. ويعكس هذا النطاق الواسع من الشركاء الاعتراف بأن استقلالية الأجهزة تشكِّل موضوعاً شاملاً يدعم أجندات أوسع نطاقاً مثل الحوكمة الرشيدة، ومكافحة الفساد، والشفافية المالية، والمساءلة العامة. ومن الضروري ضمان قدرة الأجهزة على العمل باستقلالية لبناء الثقة في المؤسسات العامة وتعزيز الأنظمة الديمقراطية.
ويتمثّل الهدف الرئيسي للمشروع العالمي في تعزيز تنفيذ مبادئ إعلان مكسيكو من خلال توليد المعرفة والمرئيات بشأن كيفية تطبيق هذه المبادئ في الممارسة العملية.
لماذا يتم تضمين العوامل غير الرسمية في صميم المشروع العالمي لاستقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة؟
استناداً إلى خبرة مبادرة الإنتوساي للتنمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في بلدان مختلفة، ندرك أنَّ القواعد القانونية وحدها لا تفسِّر بالكامل التحديات التي تواجهها الأجهزة. فهناك أيضاً العديد من العوامل غير الرسمية والسياسية التي تؤثر في مدى استقلالية الأجهزة بالفعل.
وتعتبر مبادرة الإنتوساي للتنمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على السواء أنَّه حتى عندما يعتمد بلد معين قوانين قوية تحمي الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة – وفقاً لمبادئ إعلان مكسيكو – فإنَّ هذه القوانين لا تكفي دائماً لحماية الأجهزة من التهديدات ومخاطر الاستقلالية، إذ إنَّ هناك أيضاً عناصر عملية أو فعلية أخرى تؤثر في السياق الذي تعمل فيه الأجهزة. ومن الجانب العملي، يجري تحديد مستوى استقلالية الأجهزة عادةً من خلال الإطار القانوني وطريقة استخدام السلطة التقديرية للأحكام القانونية، وكيفية تفاعل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام مع الأجهزة.
وفي النقاشات الأولية، كان هناك تفاهم مشترك مفاده أنَّ الأجهزة تتعرّض غالباً لضغوط متزايدة في البلدان التي تضعف فيها الضوابط والتوازنات الديمقراطية. وفي مثل هذه السياقات، شهدنا إقالة رؤساء أجهزة من دون مسوّغ قانوني، وخفضاً للموازنات بشكل كبير، واستخداماً لوسائل التواصل الاجتماعي لتسييس عمل الأجهزة، وتجاهلاً لتقارير التدقيق من جانب المؤسسات الرئيسية. لذلك باتت قدرة الأجهزة على مساءلة الحكومات ضعيفة إلى حدّ كبير. ويؤدّي هذا مع مرور الوقت إلى تقليص صلاحيتها وتقويض تأثيرها.
وترى مبادرة الإنتوساي للتنمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنَّه من الضروري أن يستكمل فهم هذه العوامل غير القانونية تحليل القوانين. وبهدف فهم استقلالية الأجهزة فعلياً، من المهم أن ندرس الطريقة التي يُنظر بها إلى الأجهزة، وما هو متوقّع منها، ومقدار الضغوط السياسية التي تواجهها، وما إذا كان يُسمح لها بأداء وظيفتها من دون تدخل في الممارسة العملية.
ما نوع الأشياء التي سيساعدنا المشروع العالمي على فهمها؟
سيسلّط المشروع العالمي الضوء على الأشكال المختلفة من التدخل الذي تواجهه الأجهزة، والحماية المتاحة لقياداتها، وعوامل السياق التي تحدِّد استقلاليتها وفعاليتها. وسيساعدنا أيضاً في توضيح الطريقة التي قد تشكِّل بها السمعة وغيرها من الأدوات غير القانونية ضمانات، وكيف تتجلى التهديدات بشكل مختلف عبر البيئات الوطنية والسياسية. في ما يلي بعض الأمثلة:
ماذا يعني أن تتمَّ حماية رئيس جهاز أعلى للرقابة المالية والمحاسبة، بالنظر إلى السياق الوطني؟
يكمن الهدف النهائي لإعلان مكسيكو في ما يتصِّل باستقلالية رئيس الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في ضمان قدرته على الاضطلاع بواجباته من وجهة نظر قانونية وتقنية، بعيداً عن التدخل السياسي أو الانتقام. ولكن ما تعنيه “الحماية” عملياً يعتمد إلى حد كبير على السياق الوطني.
ويجب أن تأخذ هذه الحماية في الاعتبار كيفية تغيُّر طبيعة تفاعلات رؤساء الأجهزة طوال مدة ولايتهم – ما ينطبق في بداية الولاية قد يختلف بشكل كبير عمّا ينطبق في نهايتها. فضلاً عن ذلك، غالباً ما تتفاوت فعالية تدابير الحماية خلال الدورة الانتخابية، حيث تفرض فترات معينة مخاطر أكبر.
ومن الأهمية بمكان أيضاً أن نضع في الحسبان التوقعات التي تحملها الجهات السياسية الفاعلة التي تعيّن رؤساء الأجهزة. ويمكن أن تحدِّد هذه التوقعات كلاً من الاستقلالية المتصوّرة والفعلية للأجهزة، وأن تؤثّر تالياً في أشكال الحماية الأكثر أهمية وضرورة.
ما مدى أهمية سمعة الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة؟
السمعة شكل بالغ الأهمية من أشكال الحماية غير القانونية. فالجهاز الذي يحظى بتقدير كبير ويتمتّع بسمعة عامة قوية وسجل ثابت من الاحترافية، أفضل تجهيزاً لتحمُّل الضغوط غير الرسمية والهجمات السياسية. ويؤدّي رئيس الجهاز دوراً أساسياً في بناء هذه السمعة.
فعندما يثق أصحاب المصلحة الرئيسيون – بمن في ذلك وسائل الإعلام، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليون، والعموم – في نزاهة الجهاز واحترافيته في العمل، يصبح التدخّل أكثر تكلفة على المستوى السياسي بالنسبة إلى الحكومات أو الجهات الفاعلة الأخرى. ويشكَّل هذا النوع من “القوة الناعمة” حاجزاً في وجه النفوذ غير المبرّر ويعزِّز موقف الأجهزة عندما تدافع عن استقلاليتها.
ورغم أنّه لا يمكن للسمعة أن تحلَّ مكان الحماية القانونية، فإنَّها قادرة على تعزيزها إلى حد كبير. وسيساهم المشروع العالمي في تكوين فهم أعمق للدور والمعنى والأهمية السياقية للسمعة في حماية استقلالية الأجهزة.
ما أنواع التدخلات غير المباشرة من الحكومات والجهات الخاضعة للتدقيق؟
غالباً ما تخضع الأجهزة لأشكال غير مباشرة من التدخل. وتشمل هذه المحاولات التشكيك في نتائج التدقيق، والهجمات العامة التي تهدف إلى تقويض صدقية المؤسّسات، والاتصالات غير الرسمية (بما في ذلك المحادثات) التي تهدف إلى الضغط على موظفي التدقيق.
وسيساعد المشروع العالمي في تحديد الأنماط والشروط والظروف التي تحدث فيها هذه التدخلات وتنظيمها. وسيستكشف أيضاً الاستراتيجيات والتدابير المحتملة للتخفيف من تأثيرها السلبي على أداء الأجهزة واستقلاليتها.
ماذا يعني أن تكون مستقلا مالياً في سياق من القيود المالية؟
يعكس تقرير التقييم العالمي الذي أعدّته مبادرة الإنتوساي للتنمية عموماً التحديات المتعلّقة بتوفّر الموارد المالية (الموازنة) والموارد البشرية (التوظيف).
وسيساعدنا المشروع العالمي على أن نفهم بصورة أفضل:
- كيف تتقاسم السلطتين التنفيذية والتشريعية السلطة في تحديد الموازنة الوطنية، بما في ذلك موازنة الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة؟
- ما العوائق العملية التي تحول دون أن يكون للأجهزة على عملية توظيف مناسبة؟
- كيف يتمّ تحديد الموازنات للهيئات العامة المستقلة الأخرى مثل المصارف المركزية، أو أمناء المظالم، أو السلطة القضائية، وما الذي يمكن أن تتعلّمه الأجهزة من ذلك؟
- ما الحجج التي تعطيها الحكومات لرفع أو خفض موازنة الأجهزة – وهل هذه الأسباب تقنية أو سياسية؟
- كيف يمكن للوقائع السياسية والقرارات التي تُتَّخذ وراء الكواليس أن تؤثر في توفُّر الموارد للأجهزة؟
إلى ذلك، سيولِّد المشروع العالمي معلومات نوعيّة وكميّة لدعم تطوير معرفة وتحليل أعمق بشأن استقلالية الأجهزة، بما في ذلك أساليب جديدة لتقييمها وقياسها.
وفي نهاية المطاف، سيوفِّر المشروع أيضاً أساساً قوياً لإشراك الجهات الفاعلة الأخرى في منظومة المساءلة ووضع أجندة طويلة الأجل لدعم استقلالية الأجهزة.